شكيب أرسلان
292
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وروي أنّ غزاة النبي صلى اللّه عليه وسلم لها كانت لست سنين وثلاثة أشهر وواحد وعشرين يوما للهجرة ، وفتحها ، وحقن دماء أهلها اليهود ، وقالوا له : يا محمد إنّ لنا بالعمارة والقيام على النخل علما فأقرّنا ، فأقرّهم ، وعاملهم على الشطر من التمر والحب . فلما كانت خلافة عمر ، ظهر فيهم الزنا ، وكان سمع أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » « 1 » فأجلى عمر رضي اللّه عنه يهود خيبر إلى الشام ، وقسّم خيبر بين المسلمين . قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث عبد اللّه بن رواحة إلى أهل خيبر ، ليخرص عليهم ، فقال : إن شئتم خرصت وخيرتكم ، وإن شئتم خرصتم وخيرتموني ، فأعجبهم ذلك ، وقالوا : هذا هو العدل ، هذا هو القسط ، وبه قامت السماوات والأرض . وخيبر موصوفة من القديم بالحمّى ، وذلك من كثرة مستنقعاتها ، وفيها اليوم أكرة من السودانيين الزنوج ، لا يقدرون على الإقامة بها لولا ألفتهم للحمّى . وأما إذا قيّض لخيبر وللحجاز إصلاح ، وأعيدت السكة الحديدية إلى مجراها ، وانشعب من عمودها شعبة إلى خيبر ، وعمّرها الناس ، فللحمى طرق فنية كثيرة تكفل استئصال جراثيمها تدريجا من إحدار المياه ، وحصرها في القني السائلة ، وغرس الغياض الكثيرة من شجر الأوكاليبتوس ، وتجفيف المناقيع ، واتقاء الحمّى بالكينا ، وغير ذلك مما جرى مثله في أماكن أخرى كانت وبيئة في الماضي ، فصارت مصاح للأجسام . ولما كنت في المدينة المنورة سنة ( 1332 ) قيل لي : إن خيبر هي
--> ( 1 ) [ انظر تخريج الحديث وحكمة ذلك في مقدمة السيد محمد رشيد رضا لهذا الكتاب ص ( 18 ) ] .