شكيب أرسلان

290

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

قطع هذا الخط التي في سورية وفلسطين والبلقاء ، وجهلتا ، بل هضمتا حقوق المسلمين الخاصة فيه - تقلّص عمران المدينة المنورة ، ونزل عدد سكانها من الخمسين ألفا إلى ( 15 ) ألفا . كما أنّ جميع القرى التي كانت على جوانب الخطّ مثل معان ، وتبوك ، ومدائن صالح ، والعلا ، وغيرها قد تراجعت إلى الوراء ، بعد أن كانت السكة قد بدأت تعيد إليها غابر عمارتها . ولعل التخوّف من عمران الحجاز كان من جملة الأسباب التي حدت بدولتي إنكلترة وفرنسة على المعارضة في تسليم السكة الحديدية الحجازية للمسلمين ، فإنّ هاتين الدولتين اللتين تسلطتا على نحو ( 150 ) مليون مسلم تكرهان أن يكون لهم ملجأ تهوي إلى أفئدتهم ، ويكون معمورا ، وتتوافر فيه أسباب الراحة ، وينتهي الأمر بازدحام السكان فيه ، ولا سيما الحجاز ، ولا سيما الحجاز ، ولا سيما الحجاز . ولكنّ استئناف عمران الحجاز أمر لا مناص منه ، مهما وضع الأجانب أعداء الإسلام في طريقه من العراقيل والعواثير ، لأنّ المسلمين يأرزون إلى الحجاز من كلّ صوب ، كما تأرز الحيّة إلى وكرها ، وقد كانوا يشتكون قلّة الأمنة في السبل ، فقد أزيحت هذه العلّة بتمامها بفضل اللّه ، ثم بفضل عبد العزيز بن سعود . وقد كانت تطول عليهم المراحل ، وتتعبهم أكوار الرواحل ، فالآن قامت السيارات الكهربائية مقام الأباعر ، وطوت تلك المسافات الطوال طيّ السجل للكتب ، ولا بدّ من أن يأتي دور السكة الحديدية يوما ، فتكمل من المدينة إلى مكة ، ويمتد خطّ من جدة إلى مكة ، ثم من مكة إلى الطائف . وإذا كان العرب عربا ساروا به من الطائف إلى أبها إلى صنعاء اليمن إلى عدن . فإنّ الأمة العربية سائرة إلى الوحدة مهما عارض في ذلك اللئام من أعدائها ، والمتفلسفون من أبنائها ، وإنّ هذه الوحدة آتية لا ريب فيها ، ولو بعد مئة سنة أو أكثر .