شكيب أرسلان

222

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

أما أبو نواس فيجوز أن يكون قال للرشيد هذا وأكثر منه ، لكن بدون أن يكون الأوزاعيّ حاضرا . وكيف كان الأمر ، فكان السواد شعار العباسيين ، وكان يقال لهم المسوّدة ، وكان الخلفاء العباسيون يخلعون حلل السواد على من ينتسب إليهم ، أو ينال الحظوة عندهم ، جاء في « تاريخ الأعيان في جبل لبنان » للشيخ طنوس الشدياق والمعلم بطرس البستاني أنّه لما وقع القتال على نهر بيروت بين المردة والأمير النعمان بن الأمير عامر بن الأمير هاني بن أرسلان ، وهزم الأمير النعمان المردة ، وقتل بعضا ، وأسر بعضا ، وكتب إلى موسى بن بغا في بغداد يخبره ، وأرسل الرؤوس والأسرى إلى بغداد ، عرض موسى ذلك على الخليفة المتوكل ، فكتب إليه المتوكّل كتابا يمدح شجاعته ، ويحرّضه على القتال ، وأقرّه على ولايته تقريرا له ولذريته ، وأرسل له سيفا ومنطقة وشاشا أسود ، وكتب إليه ابنه الموفق وغيره كتبا يمدحونه بها ، وأعاد رسله مكرّمين ، فتقلّد الأمير السيف ، وشد المنطقة ، ولفّ الشاش ، ودعا لأمير المؤمنين ، وزينت البلاد . الخ وهذه الرواية محّررة ، لكن باختصار في سجلّ نسبنا الأرسلاني . والخلاصة أنّ بني العباس أرادوا أن يتميزوا بشعار فجعلوه السواد ، اقتداء بجدهم عبد اللّه بن عباس ، الذي اقتدى بابن عمه صلى اللّه عليه وسلم في اعتمامه بالسواد يوم فتح مكة . ومناقب عبد اللّه بن عباس كثيرة ، وأقواله مأثورة ، ومما ينسب إليه : مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة . ويروى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : ما رأيت أحدا أحضر فهما ، ولا ألبّ لبا ، ولا أكثر علما ، ولا أوسع حلما من ابن عباس ، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ، فيقول : قد جاءتك معضلة ، ثم لا يجاوز قوله ، وإنّ حوله لأهل بدر . وقيل : إنّ بعضهم وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم فقال