شكيب أرسلان
200
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
شيء بالزيادة أو بالنقصان ، أو بتغير لفظة بلفظة ، مهما كان الناقل قويّ الذاكرة ، ولقد ثبت أنّ أكثر الأحاديث مرويّ بالمعنى . ولقد ثبت أيضا أنّ سيدنا عمر رضي اللّه عنه كره كتابة الأحاديث « 1 » خوفا من الزيادات عليها ، واكتفاء بكتاب اللّه المنزل ، الذي حفظه الألوف من الصحابة واتفقوا عليه . وقد ثبت أيضا أن جماعة من أكابر الصحابة رضوان اللّه عليهم لم يكونوا يحدّثون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع طول صحبتهم له ، جاءت في « الطبقات الكبرى » لمحمد بن سعد رواية عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال ( أي عبد اللّه بن الزبير ) : قلت للزبير : ما لي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يحدّث فلان وفلان ؟ قال : أما إنّي لم أفارقه منذ أسلمت ، ولكنني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من كذب عليّ فليتبوأ مقعدا من النّار » . قال وهب بن جرير في حديثه عن الزبير ، واللّه ما قال « متعمدا » وأنتم تقولون : « متعمدا » أي أنّ بعض المحدثين زادوا لفظة « متعمدا » فانظر إلى هذا الحديث الشريف على قصره لم يخل من زيادة لفظة « 2 » .
--> ( 1 ) [ جاء النهي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عن كتاب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة خوف الالتباس ، أما كتابة كل منهما مفردا فلا كراهة ، وهذا ما فعله الصحابة ، فقد كتب كثير منهم الأحاديث ، وكذلك التابعين ، ثم دونوا ذلك في مجموعات ، إلى أن جاء التدوين الرسمي في أواخر القرن الأول الهجري بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ] . ( 2 ) [ الحديث ] متواتر تواترا لفظا بهذه الزيادة [ ودونها ] ، وممن رواها عن الزبير نفسه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، فلا عبرة بإنكار وهب بن جرير لها عنه ، فالقاعدة أنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ . ووهب هذا قد تكلّم فيه بعض رجال الجرح والتعديل ، فقال ابن حبان : كان يخطئ ، وأنكر عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد ما رواه عن شعبة الخ . -