شكيب أرسلان

14

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

والتنقّل في مزارعها وقراها ، والهبوط في أخيافها وأوديتها ، فينال الشفاء والعافية من مرضه ، ومن مرض سابق له ، بما شمّ من هواء نقيّ ، وشرب من ماء رويّ ، وجنى من ثمر شهيّ ، ويشاهد ما ثمّ من قابلية للعمران ، لا يكاد يفضلها مكان ، في عصر عمّ الحجاز فيه العدل والأمان ، وأن يصف ذلك بقلمه السيّال ، وبيانه السّلسال ، الذي يجري فتكبو في غاياته جياد الفرسان ، ومن ذا الذي يطمع في لحاق أمير البيان في مثل هذا الميدان ؛ ميدان التاريخ وعلم الاجتماع والعمران ، وما فيه من عبر السياسة في هذا الزمان ، لا سيّما سياسة الأمة العربية والإسلام ؟ ! أحمد اللّه تعالى أن وفّق أخي شكيبا لأداء المناسك ، وشهود ما قرنه بها القرآن من المنافع ، وإنّما هي منافع أمته ، لا منافع شخصه وأسرته ، وأن يسّر له السير في تلك الأرض ، لفقه ما أرشده إليه عقله ، وهدي له قلبّه ، فيعرف بنفسه جبالها ووهادها ، وأغوارها وأنجادها ، وسهوبها وصفاصفها « 1 » ، ومجاهلها ومعارفها ، ثم يبعث ما دفن في بطون الكتب من تاريخ عمرانها ، وكنوز معادنها ، مع بيان أماكنها ، ووسائل استخراجها من مكامنها ، ويجلّي للعقول ما فيها من العبر البالغة ، ويقرن بها وصف حالتها الحاضرة ، ويستنبط منهما ما يجب على الأمة العربية وحكوماتها ، والشعوب الإسلامية وزعمائها ، من توجيه أصدق ما أوتوا من إرادة وعزيمة ، وأفضل ما أعطوا من علم وثروة ، في سبيل عمران الحجاز ، وصيانته من خطر الاستعمار ، وأنّ ذلك لا يتمّ لهم إلا بعمران جزيرة العرب كلّها ، لأنّ انتقاصها من أطرافها يفضي إلى الإحاطة بسائر أكنافها . تلك الغاية البعيدة المرمى هي التي وضع لها الأمير رحلته الحجازية التي سمّاها « الارتسامات اللطاف في خاطر الحاجّ إلى أقدس مطاف » وقد أقام الدلائل على إمكان ما دعا إليه وسهولته ؛ من قابلية في المكان ، ومواتاة في الزمان ، وأشار إلى ما يعترض به على ذلك من

--> ( 1 ) [ سهولها ] .