شكيب أرسلان

105

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربي قرطبة في المناهر المهندسة ، وعلى الحنايا المعقودة ، يجري ماؤها بتدبير عجيب ، وصنعة محكمة إلى بركة عظيمة ، عليها أسد عظيم الصورة ، بديع الصنعة ، لم يشاهد أبهى منه فيما صوّر الملوك في غابر الدهر ، مطليّ بذهب إبريز ، وعيناه جوهرتان ، لهما وبيص « 1 » شديد ، يجوز هذا الماء إلى عجز هذا الأسد ، فيمجّه في تلك البركة من فيه ، فيبهر الناظرين بروعة منظره ، ومجاجة صبّه ، فتسقى من مجاجه جنان هذا القصر على سعتها ، ويستفيض على ساحاته وجنباته ، ويمدّ النهر الأعظم بما فضل منه . قالوا : واستمرّ العمل في هذه القناة إلى أن انتهت أربعة عشر شهرا ، ولما انطلق فيها الماء إلى تلك البركة كان يوما احتفل فيه الخليفة رحمه اللّه ، وعمل دعوة جفلى ، وأفضل على عامة الخلق ، ووصل المهندسين والقوّام بصلات حسنة جزيلة . عمران قرطبة العجيب في عهد الناصر وكان عمران قرطبة في أيام الناصر عامّا تامّا ، وليس من المعقول أن يتناهى هذا التناهي كلّه في اتقان البنيان وتفخيمه في عاصمة لم يستبحر عمرانها ، ولم تزخر لجج الاجتماع فيها ، فقد رووا أنّ عدد دور قرطبة كان لعهد الناصر وابنه الحكم نحو ( 200 ) ألف دار ، وهذه دور الأهالي ، فأما دور الوزراء والعمال والكتّاب والأجناد وخاصّة الملك فكانت ستين ألف دار ، هذا عدا الحمامات والخانات والفنادق ، وقالوا : إنّه كان فيها ثمانون ألف حانوت ، وكان لقرطبة ( 28 ) ربضا « 2 » وقيل ( 21 ) ربضا ، كلّ واحدة منها بلدة فيها منبر تقام فيه الجمعة .

--> ( 1 ) [ لمعان ] . ( 2 ) [ ضاحية ] .