شكيب أرسلان

106

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

وقيل : إنّ الطرق من قرطبة إلى جميع هذه الأرباض كانت تنار ليلا بالقناديل ، وهي مسافات من ( 10 ) إلى ( 15 ) كيلو مترا . فأما مساجد قرطبة لذلك العهد ، فقد جاءت فيها روايات مختلفة ، فقيل : ثلاثة آلاف وثمانئمة . وقال ابن حيّان : بلغت المساجد بقرطبة في مدة ابن أبي عامر ( بعد الناصر بمدّة غير طويلة ) ألفا وستمئة مسجد ، والحمامات تسعمئة حمام . وأما مسجد قرطبة الأعظم ، فإن القلم ليعجز عن وصفه ، فمن شاء فليقرأ ذلك في « نفح الطيب » وغيره من تواريخ الأندلس ، أو فليذهب إلى إسبانية ، ويشاهده ، فلا يزال أكثره قائما ، وإن كان قد تحوّل إلى كنيسة ، وقد ذهب كثير من النفائس التي كانت تزينّه ، ولا أعلم هل أبقاه الإسبانيول على مساحته الأولى ، أم اختصروا منه ، فالذي في كتب العرب أن تكسيره « 1 » كان نحو ( 33 ) ألف ذراع ، وأنه كان فيه ( 1200 ) عمود و ( 93 ) عمودا كلها رخام ، وقد كان لعهد الناصر وأهله باب مقصورة هذا الجامع من الذهب ، وقد أجرى الذّهب في جدار المحراب وما يليه على الفسيفساء . وكانت الصومعة « 2 » من بناء الناصر ، تعلو ثلاثا وسبعين ذراعا ، إلى أعلى القبة المتفّحة التي يستدبرها المؤذّن ، وفي رأس هذه القبة تفافيح ذهب وفضّة ، ودور كلّ تفاحة ثلاثة أشبار ونصف ، فاثنتان من التفافيح ذهب إبريز ، وواحدة فضة ، وتحت كلّ واحدة منها وفوقها سوسنة ، قد هندست بأبدع صنعة ، ورمانة ذهب صغيرة على رأس زجّ . وكان في الجامع مئتان وثمانون ثريّا ، وثمانمئة وخمس كؤوس ، وكان يوقد فيه في شهر رمضان فقط ثلاثة قناطير من الشمع ، وكان له

--> ( 1 ) [ مساحته ] . ( 2 ) [ المئذنة ] .