اولياء چلبي

9

الرحلة الحجازية

المقدّمة إن تاريخ البشرية ؛ إنما هو تاريخ لمحاولة الإنسان التعرف على العالم المحيط به . . والغريب عنه . . لقد ناضل أولا ضد القوى الحيوانية التي تحول بينه وبين ذلك ، ثم أخذ يناضل القوى المماثلة له . . فتكونت القبيلة ، ثم الأمة ، واندفعت الأمم من آقاليمها إلى الآقاليم المجاورة تكتشفها آفاقا جديدة . . ثم بدأ ينطلق نحو الفضاء الخارجي عبر الكواكب ، ويغوص في آعماق البحار ، والمحيطات بحثا عن المعرفة . . ورغبة في الإمتلاك . . بدأت كل هذه الرحلات ضيقة ، ثم اتسعت آفاقها مع مرور الزمن ، فالإنسان ولد راحلا ، وإن أعجزته الرحلة . . تخيل رحلات غير محسوسة ؛ تخطى الجبال ، وعبر البحار . . وركب بساط الريح . . سجل لنا التاريخ رحلات ألف ليلة وليلة ، وحي بن يقظان ، والتوابع والزوابع ، ورحلة دانتي في الكوميديا الإلهية . . ورحلة الشاعر التركي العبقري الشيخ غالب إلي مدنية القلوب « حسن وعشق » . كما نجد ذلك بين ثنايا الآساطير ، ودوافع الحروب . . سجل المصريون رحلاتهم على جدران المعابد ، وخاض الفينيقيون عباب المحيط الآطلسي ، وخلّف الإغريق مستعمراتهم في البحرين ؛ الأبيض والأسود ، وعنوا جميعا عناية واسعة بوصف البلدان ، والأقاليم التي رأووها ، وقدموا الكثير من المعارف الجغرافية . زار هيرودوت مصر ، وقبرص ، وفنيقيا ، وآشور ، وإيران وتوغل في الشمال ، وتخطى البوسفور ، وأودع مشاهداته في هذه الزيارات أو الرحلات تاريخه الكبير . . ثم أعقبه « بلوتارك » الذي عنى بتاريخ اليونان ، والرومان . . ومنه استمد شكسبير الكثير من روائع مسرحياته . . تصبح روما عاصمة العالم ، ويتوغل بحارتها ، وفرسانها في ربوع إمبراطوريتها الشاسعة . . وتصل سفنهم إلي جزر الكاناريا في المحيط الأطلسي . . ثم كان الفتح العربي للهند ، والصين ، وجبال البرانس . . ومن التركستان وجبال القوقاز إلى السودان . . . وبلاد الحبش . . . . أصبح كل ذلك عالما موحدا مشتركا في