بنيامين التطيلي
352
رحلة بنيامين التطيلى
البشائر مياومة عن مقدار ارتفاع الماء . فينادي بالناس : « الحمد لله ! إن النيل قد ارتفع اليوم كذا وكذا قياسا » . ومتى استوفى الماء قياسات العمود ، علموا بأن الفيض قد بلغ الغاية ، وأنه قد غمر من الأراضي ما مسافته خمسة عشر يوما . وعندئذ يبادر الفلاحون وأصحاب المزارع إلى حفر الخلجان والقنوات فيدخلها الماء الوفير ، ويدخل معه السمك الكثير ، يبقى في الخلجان بعد ما تنحسر عنها المياه ، فيأخذه الفلاحون ويأكلونه ، ويكبسون ما فاض منه بالملح ، فيبيعونه من التجار الذين ينقلونه إلى الأطراف وهذا السمك سمين ، لذيذ ، والناس هنا تستعمل سمنه للإضاءة . وماء النيل كثير العذوبة ملائم للهضم . ويقول العارفون بأسباب فيض النيل ، إن الأمطار الغزيرة تتساقط في أرض كوش ( الحبش ) والحويلة ( زويلة ) فيفيض النيل من سيلها ويغمر الأرض . أما إذا قل فيضه فلا يكون للناس زرع في ذلك العام ، ويصيب البلد قحط شديد . ويزرع الفلاحون حقولهم في شهر حشوان ( تشرين الثاني ) عندما تنحسر المياه فيحصدون الشعير في آذار والحنطة في نيسان . وفي موسم الصيف تكثر عندهم أثمار الإجاص والجوز والقثاء والقرع والخروب والفول والذرة والحمص وسائر أنواع الفواكه والبقول مثل الرجلة والهليون والعنب والخس والكزبرة والهندباء والكرنب والعناب . فتفيض الأرض بالخيرات . وتعمر الحدائق والبساتين ، تسقيها مياه الخلجان المتشعبة من النيل .