بنيامين التطيلي

126

رحلة بنيامين التطيلى

3 - الرواد اليهود في القرون الوسطى إن اليهود في أسبانية والشرق ، خالطوا العرب في عصورهم الذهبية ، وتأثروا بتفكيرهم واقتبسوا لغتهم وتحلّوا بآدابهم ، وضربوا بسهم وافر في جميع نواحي نشاط الفكر العربي . لذا لم تكن الأسفار البعيدة والرحلات المديدة غريبة عنهم أيضا . على أنه من الحق أن نشير هنا إلى أن الدوافع التي كانت تحدو باليهودي الأوروبي على ترك دياره والضرب في طول الأرض وعرضها لم تكن كلها اختيارية ، ولم تكن كلها لمجرد الاطلاع أو الوقوف على أحوال الأقطار المختلفة . بل كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية تدفعه طوعا أو كرها إلى الإكثار من الرحيل والتجوال . أما العامل الأول فكان سياسيا . إذ كان اليهودي الأوروبي ، في عرف تلك العصور المظلمة ، ملكا لأمير الإقطاع يصنع به ما توحي إليه رغبته ومصلحته . وعلى هذا ، قلما كان له مطلق الحرية للإقامة حيث شاء . كما لم يكن مطمئنا على سلامته واستقراره في موطنه ومسقط رأسه . بل كان يجد نفسه بين فترات متقاربة أو متباعدة ، حيال قرار مؤلم خطير يجب أن يتخذه بمنتهى السرعة - وهو أن يتخير بين أن يترك دينه ومعتقده باعتناق ديانة السلطة القائمة ، أو أن يبارح موطنه ويحمل عصا الترحال ، تاركا وراءه كل ما ملكه من حطام دنياه الضيقة . ولما كان الشق الأخير من هذا الخيار المؤلم أكثر ما يؤثره اليهودي على الرغم مما كان فيه من تضحية تبلغ في أغلب الأحيان الجود بالروح في سبيل المعتقد ؛ فإن تعبير « اليهودي التائه » لم يكن في