كارستن نيبور

50

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية

درجات تمتد على جهتي الصخرة التي حفرت فيها بعض الأماكن للجلوس بعيدا عن الشمس والقيظ مع التمتع بمنظر البحر . كما تطالعنا أدراج طويلة أخرى حفرت في الصخرة نفسها ، ولعل أهم الآثار حمامات بومبي ( Pompe ? e ) ، وهي مؤلفة من ثلاث غرف متحاذية ومحفورة في الصخر ، ولكل غرفة باب من جهة المرفأ تدخل منه مياه البحر ، أما الغرفة الأخيرة ففي آخرها فتحة صغيرة في الصخر تسمح للمياه بأن تسيل ، وتركت مقاعد حفرت في الصخر . ولم أنتبه إلى نسبة ارتفاع أو انخفاض المياه في هذه الأماكن ، لكني أعتقد أنها تصل إلى مستوى المقاعد ، ونستنتج من ذلك ، أن منسوب المياه لا ينخفض كثيرا قرب الإسكندرية . ولا يتعامل الأجانب مع سكان الإسكندرية ، لكن السفن التجارية القادمة من أوروبا وأفريقيا إلى مصر ترسو أمام هذه المدينة فضلا عن تلك التي تأتي لتحميل البضائع من مصر لتنقلها إلى أفريقيا وأوروبا ، مما يجعل مردود الجمارك مهما للغاية . ويقيم في الإسكندرية العديد من التجّار الأوروبيين ، فضلا عن قنصل فرنسا والبندقية وهولندا وراغوز ، ويمثّل إنكلترا قنصل هولندا أيضا ، أما السيد ماريون فنائب قنصل الدانمارك والسويد وتوسكانه والبندقية . ويتكلم أهالي الإسكندرية ومصر عامة اللغة العربية ، أما الأجانب الذين يجهلون هذه اللغة فيعتمدون اللغة الإيطالية ، وقد صادفت في الإسكندرية وحدها مسلمين يتكلمون الفرنسية ، والدانماركية والسويدية كما لو أنهم ولدوا في تلك البلاد . وهذا ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أهالي الإسكندرية أكثر قابلية لتعلم اللغات الأجنبية من باقي المسلمين ، لكن يبدو أن أمل الكسب والربح فضلا عن عدم التعلّق بالدين يدفعانهم لتعلم هذه اللغات . ويستحيل أن يمارس مسلم شعائر دينه بين البحارة الأوروبيين ، وبالرغم من ذلك نجد إسكندرانيين يعملون لسنوات تحت أمرة قبطان مسيحي ، وحين يتعلمون اللغة يكسبون بالتالي الكثير من المال ، وبسهولة . يخضع حاكم الإسكندرية لوصاية القاهرة ، وبالتالي لسلطان القسطنطينية . وتدفع القبائل العربية التي تجول في مصر مبالغ معينة للحاكم التركي ، وهي مسالمة أحيانا ، تتصرف كحليف للأتراك لكنها تعود وتتمرد فيضطر الحاكم إلى إرسال المئات بل الآلاف من العسكر لطردها إلى داخل البلاد . وخلال إقامتنا في الإسكندرية ، اقترب هؤلاء الرحّل من المدينة وأخذوا يزعجون الفلاحين العرب . وفي 11 تشرين الأول / أكتوبر ، ضرب المئات منهم خيامهم على بعد نصف فرسخ من المدينة ، وعند الصباح ، أراد قبطانان من البندقية رؤية عمود بومبي ، فأوقفوهما البدو وأمروهما بنزع ثيابهما وبتسليم كل ما يملكان ، فقال لهم الانكشاري الذي يرافقهما ، إنّ هذين الأوروبيين لم يسيئا لهم وإن كان هناك حساب بينهم وبين الحاكم فليصفوه ، فتركوا القبطانين وشأنهما وحاولوا سلب الانكشاري الذي لم ينج منهم إلا بعد أن تمزقت ثيابه . وحين يأتي هؤلاء العرب المدينة للتسوق ، يدخلونها الواحد تلو الآخر كي لا يلاحظهم السكّان ، لكن في ذاك اليوم ، دخلوا الإسكندرية بأعداد كبيرة ، وجرت حادثة لم أر مثلها في رحلاتي كلها ، وقد