كارستن نيبور
39
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
الرحلة من القسطنطينية إلى الإسكندرية ما إن تحسنت صحتي حتى أخذنا بالأهبة لمغادرة القسطنطينية ، قاصدين مصر ، وكان بإمكاننا الحفاظ على لباسنا الأوروبي في الإسكندرية ، لأن سكّان هذه المدينة اعتادوا رؤية الإفرنج أي الأوروبيين . لكن لباسنا هذا والمغاير لبساطة لباس العرب يمكن أن يعرضّنا في القاهرة وفي شبه الجزيرة لأسئلة مزعجة ولسخرية السكان ، فضلا عن أنه سيشكل عبئا علينا في غياب المقاعد ووسائل الراحة الأخرى التي نجدها في أوروبا . وحصلنا في القسطنطينية على ملابس طويلة كتلك التي يرتديها الشرقيون . واشترينا عدة للطبخ ، ومؤنا ضرورية لرحلتنا المقبلة . وزوّدنا السيد دي غابلر ، الذي أحسن وفادتنا في القسطنطينية ، بإذن مرور من السلطان ، ورسائل توصية ، ونقود مصرية ، وفي 8 أيلول / سبتمبر ، أبحرنا على متن سفينة من دلسينيو ( Dulcigno ) ، وهو مرفأ بحري على الخليج الأدرياتيكي ، غير بعيد عن جمهورية راغوس . وكنا نأمل بالانطلاق في اليوم التالي ، لكن الرياح المعاكسة أعاقتنا وأخّرنا القبطان الذي لم تكتمل حمولة مركبه . وغادرت السفينة المرفأ وابتعدت عنه ، لكن البضائع استمرت تصل إليه حتى في أثناء الليل . ولم ننطلق بالفعل إلّا في 11 أيلول / سبتمبر ، لكن الرياح لم تسعفنا ، فلم نصل إلى الدردنيل ولم نرس قرب قوم قلّة أي الحصن الواقع في الجهة الآسيوية إلّا في 15 من الشهر نفسه . ويصعد على متن السفن الآتية من القسطنطينية ، رجال من الجمارك لمعرفة ما إذا كانت تحمل عبيدا فارين أو بضائع لم يبلّغ عنها لجمرك القسطنطينية . ومرّ اليوم الثاني في التفتيش مما سرّني ، لأننا لم نتوقف إلا لساعات قليلة في هذا المكان ، في طريقنا إلى القسطنطينية ، وكنت مريضا للغاية فلم أتمكن من النزول إلى اليابسة ، فحملت عدّتي ، وتمكنت من دراسة هذا المكان الشهير . ومساحة قصور الدردنيل ليست بالكبر الذي نتوقعه ، فالقصر الواقع من جهة آسيا لا يتعدى كونه مربعا صغيرا من الأسوار السميكة والمحاطة بالأبراج . أما المدافع التي تحميه فضخمة للغاية ، بيد أنها نصبت على الأرض مباشرة أو على أخشاب غليظة ، وقد عاينت بعضها فتبين لي أنها لم تعمل منذ أمد بعيد ، وحشي بعضها الآخر بقذائف من حجارة مغطاة بالرمل والتراب . ومضيق الدردنيل ضيق فإذا ما قصفت المدافع من جهة وصلت القذائف إلى الجهة الأخرى ، وهو متعرج للغاية ، فيصعب اجتيازه في ليلة واحدة حتى وإن كانت الرياح مؤاتية . وبوسع الأتراك تصويب مدافعهم على تعرجات المضيق بكلفة متدنية ، وبالتالي لا يمكن لأسطول معاد أن يمرّ ويهاجم القسطنطينية من جهة البحر ، وإذا افترضنا أن جيوشا ساندت الأسطول برا وهدمت القصور ومدافع المضيق وأمّنت تراجعه ، يخشى على الأسطول الغرق عند