شارل ديدييه

72

رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر

قد توقفت بعد موته ، ولم يعد إنشاء هذا القصر الخيالي في جبل سيناء واردا . وزعم الناس أن هذا المشروع المتهور كان يخفي وراءه نوايا سياسة خفية ؛ فقد كان عباس باشا منذ بعض الوقت قد بدأ يستميل البدو القاطنين على الحدود السورية ، ويقرّبهم منه ، ويستقبلهم بترحاب ، ولما ذهب لزيارتهم بنفسه ، وعدهم بإعطائهم أحد أبنائه لينشأ بينهم ، ويتخلق بأخلاقهم وعاداتهم ، وهذه عادة تمارس في الجزيرة العربية إذ يترك أبناء الأشراف أسرهم بعد عدة أيام من ولادتهم ، وينتقلون من حضن أمهاتهم إلى خيام رجال القبائل ، لكي يتدربوا على تقوية أجسادهم ، ويعتادوا تحمل التعب ، ولكي تلهج الركبان بأسمائهم ، تلك كانت ، كما يقال : النية الخفية ، والهدف السري لباشا مصر . كان يأمل ، وهو يرى الباب العالي متورطا في حرب مدمرة مع روسيا ، الاستفادة من الإنهاك الذي أصابه ليستولي من جديد ، بمساعدة البدو ، على ما كان يسيطر عليه جده محمد علي / 48 / من مواقع في سوريا أجبرته أوروبا على التخلي عنها . وكان في هذه الأثناء ، وبانتظار الفرصة المناسبة ، يرسل لقادة جيشه على مضض ، قليلا من المال مما يحتاجونه في الحرب . وعندما سمع نبأ كارثة سينوب « 1 » Sinope البحرية التي تم فيها إغراق الأسطول البحري المصري كله تقريبا ، بدأ يكيل الشتائم المقذعة ، ليس للقيصر ، وإنما للسلطان التركي ؛ وأود في هذا المجال أن أسوق حادثة توضح طبيعة الرجل . نتذكر أن أحد قادة السفن المصرية قام في ذلك اليوم المشؤوم بتفجير نفسه وسفينته بدل أن يستسلم للعدو ؛ وقد أبدى كل الناس إعجابهم بهذه المأثرة الجريئة ، باستثناء عباس : لأنه عاجز عن إدراك معنى الشجاعة ، والإخلاص ، لم ير في ذلك إلّا أنه خسر سفينة حربية ، وصرخ بغضب : عاهر Pesvink ؛ وهي شتيمة مقذعة بالتركية ، كان لا يني يرددها ، شأنه شأن الغالبية

--> ( 1 ) سينوب Sinope ( بالتركية Sinob ) مدينة وميناء آسيوي في تركيا ( الأناضول ) حطم فيها الروس في عام ( 1853 ) الأسطول التركي الذي كان يضم بين قطعاته الأسطول المصري .