شارل ديدييه
61
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
في مقابل عين موسى تقريبا ، على الجانب المواجه جبل عتاقة « 1 » ، كأنه عملاق من الحجارة شهد منذ أكثر من أربعين قرنا مرور رهط من المصريين على سفوحه ، وعلى رأسهم فرعون / 35 / يطاردون بني إسرائيل . كانت الليلة جميلة صافية ، ولم يعكر صفو الهدوء إلا أصوات الأمواج التي تتكسر على جانب المركب الراسي . وكان القمر يلقي على جبال الشاطئين ضوءا خافتا . كنت أرى تلك الجبال يكسوها الضباب ، ولكنها بادية للعيان ، وخلفيتها السماء المزينة بالنجوم ، ومنها ما ينتمي إلى آسيا ، ومنها ما ينتمي إلى إفريقيا ، وقد جال بخاطري بانفعال ، وأنا أراها ، أنني هنا معلق ، إن صح القول ، بين عالمين ؛ إفريقيا التي أبتعد عنها ، لأعود إليها قريبا ، وآسيا الشاعرية التي تطؤها قدماي أول مرة . يفصل بين العالمين خليج ضيق ، يبدوان كأن كلا منهما يحدق بالآخر ، كعدوين جاهزين ، لأن يلقي أحدهما بنفسه على الآخر . ولكن قوة التوسع وروح الغزو التي تنتج عنها ينتميان إلى آسيا ، وقد دفعاها إلى مد سلطتها خارج حدودها في عصور التاريخ المختلفة ، وجعلاها في الماضي تؤدي دورا رائعا . أما إفريقيا فهي على العكس عنصر المقاومة والثبات : مع بعض الاستثناءات المعدودة ، القرطاجيون على سبيل المثال الذين امتدت سلطتهم بعيدا ، وحدثتهم أنفسهم في لحظة بالاستيلاء على ثروة روما ، علما بأنهم من أصل فينيقي ؛ أي آسيوي ، ولم تواجه إفريقيا / 36 / الغزاة الخارجيين إلا
--> - كان من شأنه أن يمثل موضوعا جد رائع لموعظة تدور حول فكرة فرعون جديد . . . » . ( 1 ) قال بيرتون في رحلته ( الترجمة العربية ) ، موثق سابقا ، ج 1 ، ص 161 : « . . . وعند غروب الشمس رسونا - ولا زالت السويس على مرأى منا - تحت جبل عتاقة متخذين منه ملاذا يحجب الريح عنا ، وعلى الساحل الشرقي كانت توجد قلة من بساتين النخيل متجمعة حول ( عيون موسى ) أما في الغرب فيقع بين - حيدين برجيين - مصب وادي ( مسيل ) الطوارق أو وادي موسى أو وادي البادية الذي خرج منه بنو إسرائيل إلى البحر البردي Sedge The Sea of وفقا لما يقوله الأب سيكارد Sicard .