شارل ديدييه
24
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
الجزيرة العربية ، وأنه ، نفسه ، اعترته الدهشة من الاستقبال الحافل الذي لقيه من الشريف الأكبر ، يقول على سبيل المثال : « . . . إن وجود بريطاني وفرنسي يجوبان الحجاز في هذه الفترة السياسية السائدة فيه ، مدعاة للشك ، مما يجعل الناس يظنون أن حكومة كلّ منهما أرسلت مواطنها لدراسة الأوضاع في الحجاز ، واستطلاع مدى ارتباطه بالباب العالي ، وموقفه منه . وعلى الرغم من أن ذلك غير صحيح ، ولكنه غير مستبعد ، ولا مبالغ فيه ، وإن شك الشريف الأكبر في ذلك ، جعله يعاملنا تلك المعاملة اللائقة . . . » « 1 » . يمكن أن يصدّق المرء للوهلة الأولى ما يدعيه ديدييه ، ولكن حياة الرجل ، واطلاعه على الأحداث الدولية ، واهتماماته السياسية ، وارتباطه القوي بهويته المسيحية ، وكرهه الشديد للإمبراطورية العثمانية ، ولكل من يرتبط بها ( محمد علي وأتباعه ) ، وانعكاس ذلك الكره الذي ينقلب في بعض الأحيان إلى عنصرية ، كل ذلك يجعلنا نتساءل ، عمّا سميناه ملابسات الرحلة . لقد سبق لديدييه أن تولى مهمات سياسية لصالح بلده كما رأينا في أطوار حياته ، وليس بالغريب أن تنسد إليه مهمات أخرى ! إن تدخل القنصل البريطاني السيد كول ، ومرافقة المترجم في القنصلية الفرنسية وموثق العقود فيها السيد دوكيه M . Dequie ? لديدييه ورفيقه البريطاني ، والاستقبال الحافل الذي لقياه في الطائف ، والحراسة التي أرسلها الشريف ، كل ذلك يدفعنا إلى طرح سؤال ربما يجد إجابة في أبحاث لا حقة ليس مكانها هنا . يتحدث ديدييه عن أحداث هامة على المستوى الفرنسي المحلي ( انقلاب الثاني من ديسمبر 1851 م ) ، وعن موقف فرنسا من الإمبراطورية العثمانية الذي يصفه بأنه ( كوميديا ) « 2 » ، ثم يتحدث عن حرب ( القرم ) بين تركيا وروسيا التي جرت بين عامي ( 1853 م - 1856 م ) ، ووقوف بريطانيا وفرنسا إلى جانب تركيا لا حبا بها ، وإنما للوقوف في وجه روسيا . ويخيّل إليه من خلال حديثه
--> ( 1 ) الأصل الفرنسي ص / 295 / . ( 2 ) انظر ما ذكرناه في الحاشية ( رقم 1 ، ص 16 ) من هذه المقدمة .