السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
89
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
وأمّا هذا أبو الحسن المدفون بالمخا فلم أقف له على ترجمة « 1 » . والإجماع على أنّه الذي أظهر القهوة المتعارفة في هذا الزمان ، التي طبّقت شهرتها العالم . والقهوة في الأصل من أسماء الخمرة ، ثم أطلقت الآن على ما يطبخ من البن ، أو قشره . قيل : وسبب اهتدائه إليها أنّه كانت له لقحة « 2 » يسرّحها كل يوم للرعي ، وكانت ترعى ثمرة هذه الشجرة ، فاستطاب لبنها طعما وخاصية ، فتبعها يوما فرآها ترعى هذه الثمرة فجنى منها شيئا وقلاه واستعمله ، فأحدث في نفسه نشاطا وأريحيّة ، فواظب على استعماله . ثم طبخه فرآه أجدى من استعماله مقليا ، فلم يزل الأمر يزيد حتى بلغ هذه الشهرة . وقرأت بخطّ بعض فقهاء اليمن أنها حدثت في القرن الثامن أو التاسع ، قال بعضهم أنّها تطيّب النكهة ، وتصفّي البدن ، وتعين على العبادة . وأخبرني بعض الأصحاب أنّه وقف على رسالة لبعض فضلاء اليمن في الكلام على تحليلها وخواصها ومنافعها « 3 » . قلت : وهي على مقتضى ما ذهب إليه جماعة من الإمامية ، ومعتزلة بغداد حرام ، لأنهم ذهبوا إلى تحريم الأشياء التي ليست باضطرارية قبل ورود الشرع ، وجنح إلى هذا القول الشيخ أبو علي بن أبي هريرة من فقهاء الشافعية ، وذهب معتزلة البصرة وباقي الإمامية إلى الإباحة ، وتوقّف الأشعري ، واختلف في معنى توقّفه . والحق الإباحة ، والمسألة أصولية يطلب تحقيقها من مظانّها . وبالجملة فلم يتوقّف أحد في استعمال هذه القهوة ، لا معتزلي ولا أشعري ولا غيرهما والأشاعرة أرغب فيها من غيرهم ، وقد تلقتها الأمة بالقبول .
--> ( 1 ) تقدم التعريف به في الهامش قبل قليل ( 2 ) اللقحة : الناقة الحلوب الغزيرة اللبن . ( 3 ) في مباحث عراقية 2 / 180 بحث طريف مفيد عن القهوة ومكتشفها وانتشارها وطريقة استعمالها .