السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
64
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
تجدك ) « 1 » إلّا في عرصة المقابر ، فاستأنف سيرة تسلم بها من سلطانك ، وتحمد عليها عند إخوانك ، وإيّاك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعد أن كان عظة لك . ولولا أنّ الأخذ بالجريرة الأولى مخالف للسيرة المثلى لكان ما تراه تودّ لو أنّك تسمعه قبل أن تراه . فإنّك يا عبيد اللّه إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ( وملكت طرفي المصلحة ) « 2 » وقمت على سواء السياسة ، ونجوت من الجور والمأثم في العاقبة . قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمره به على الوجه اللّطيف ، فعاد الأمر يرفّ بالسلامة العامة ، والعافية التامة . وتقدّم إلى الشيخ الصيدلاني برفع حال من يقعد عنده حتّى يؤاسى إن كان محتاجا ، أو يصرف إن كان متعطّلا ، أو ينصح إن كان غفلا . وهذا من أجلّ الكرم والحلم ، وأعظم التدبير والحزم . وفسّر عكرمة « 3 » قوله عزّ وجل وَسَيِّداً وَحَصُوراً « 4 » بأن السيّد هو الذي يغلب غضبه حلمه ، وجهله علمه . ولما نزل قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ « 5 » قال جبرئيل ( ع ) : يا محمد ، هو أن تحلم عمّن شتمك ، وتعفو عمّن ظلمك ، وتعطي من حرمك . وكان الواثق في الخلفاء من المشتهرين بالحلم ، المنتشر ذكرهم بالعفو وكظم الغيظ .
--> ( 1 ) في ك ( فأخشى أن لا أجدك ) . ( 2 ) في ك ( وسلكت طريق المصلحة ) . ( 3 ) عكرمة بن عبد اللّه مولى عبد اللّه بن عباس ، من المتقدمين في علم التفسير . توفي سنة 105 ه ( الأعلام 5 / 43 ) . ( 4 ) سورة آل عمران / 39 . ( 5 ) سورة الأعراف / 199 .