السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

236

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

وحكى المسعودي « 1 » وغيره : أنّ الإسكندر لما ملك فارس واحتوى على ملكها وتزوّج بابنه ملكها سار نحو السند والهند ، ووطئ ملوكها ، وحمل إليه الهدايا والخراج ، وحاربه ( فورك ) « 2 » وكان أعظم ملوكها ، وكانت له مع الإسكندر حروب ، وقتله الإسكندر مبارزة ، وبلغه أنّ في أقاصي أرض الهند ملكا ذا حكمة وسياسة ، وديانة وإنصاف للرعيّة ، وأنّه قد أتى عليه مئون من السنين ، وأنه ليس بأرض الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له : كند ، وكان قاهرا لنفسه مميتا لصفاته من الشهوة والعصبية وغيرها ، حاملا لها على خلق كريم ، وأدب رائق . فكتب إليه كتابا يقول فيه : إذا أتاك كتابي هذا فإن كنت ماشيا فلا تلتفت ، وإن كنت قائما فلا تقعد حتى تصل إليّ وإلّا مزقت ملكك وألحقتك بمن مضى من ملوك الهند . فلما ورد عليه الكتاب أجاب الإسكندر بأحسن جواب ، وخاطبه بملك الملوك ، وأعلمه أنه اجتمع قبله « 3 » أشياء لم يجتمع عند غيره مثلها . فمن ذلك ابنة لم تطلع الشمس على أحسن صورة منها ، وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله ، وطبيب لا تخشى معه داء ولا شيء من العوارض إلّا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية ، وحلّ العقدة التي عقدها المبدع لها ، والمخترع لهذا الجسم الحسّي المنصوب غرضا للحتوف والبلايا ، وقدح إذا ملأته شرب منه عسكرك جميعه ولا ينقض منه شيء . وأنا منفذ جميع ذلك إلى الملك وصائر إليه . فلما قرأ الإسكندر الكتاب أنفذ إليه جماعة من حكماء اليونانيين والروم ، وقال لهم : إن كان صادقا فيما كتب به فاحملوا ذلك إليّ ودعوا الرجل ، وإن تبينتم الأمر على خلاف ذلك ، وأنّه أخبر عن الشيء بخلافه فأشخصوه إليّ . فمضى القوم وأظهر لهم الجارية ، فلما رمقوها بأبصارهم فلم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها مما ظهر فأمكنه أن يتعدّى إلى غيره . فخاف القوم على عقولهم ، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهر سلطان هواهم . ثم أراهم بعد ذلك ما تقدّم الوعد به وصرفهم ،

--> ( 1 ) مروج الذهب 1 / 293 . ( 2 ) في مروج الذهب ( فور ) . ( 3 ) في مروج الذهب ( أنه اجتمع له قبله ) .