السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
237
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
وسيّر بالفيلسوف والجارية والطبيب والقدح ، فلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الطبيب والفيلسوف ، ونظر إلى الجارية فبهرت عقله ، وأمر قيمة جواريه بالقيام عليها ، ثم صرف همّته إلى الفيلسوف وإلى علم ما عنده وعند الطبيب . فملأ قدحا من السمن وأرهقه حتى لم يبق للزيادة عليه مجال ، وبعث به إلى الفيلسوف ، فدعا بألف إبرة فغرس أطرافها في السمن وأنفذها إلى الإسكندر . فأمر الإسكندر بسبك الابر كرة وبعثها إليه ، فسبكها وجعلها مرآة مصقولة وأعادها . فدعا الإسكندر بطست من ماء فطرح المرآة فيه حتى رسبت وأعادها ، فجعلها طاسة طافية على الماء وأعادها . فملأها الإسكندر بالتراب وبعث بها إليه . فلما نظر الفيلسوف إليها تغيّر لونه وجزع ، وتغيّرت صفاته ، وأسبل دموعه على صحن خدّه وجعل يكثر شهيقه ، وظهر حنينه ، وطال أنينه ، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه ، ثم أفاق من تلك الحال وزجر نفسه وأقبل عليها كالمعاتب لها فقال : ويحك يا نفس ما الذي قذف بك في هذه السدفة ، وأصارك إلى هذه الغمة ، ووصلك بهذه الظلمة ، أنسيت وأنت في النور تسرحين ، وفي العلوم تمرحين . تنظرين بالضياء الصادق ، تنفسحين في العالم المشرق ، أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة ، والغشم والمفاسدة ، تخطفك الخواطف ، وتهزّك العواصف ، قد حرمت علم الغيوب ، والكون في العالم المحبوب ، ورميت بشدائد الخطوب ، ورفضت كلّ مطلوب . أين مصادرك الطيّبة وراحتك القوية ؟ حللت في الأجساد ، وقوي عليك الكون والفساد ، واختلطت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة ، والمياه المالحة ، والنيران المحرقة ، والرياح العاصفة ، تسير بك الأعمار في قرارات الأجسام ، لا تشاهدين إلّا غافلا ولا ترين إلّا جاهلا ، جيل قد زهدوا في الخيرات ، ورغبوا عن الحسنات . ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر فقال بأعلى صوته : يا لك من نجوم سائرة ، وأجسام زاهرة ، من عالم شريف طلعت ، ولشيء ما وضعت ، إنّك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة ، وفي خزائنه قاطنة ، وقد أصبحت عنه ظاعنة . ثم أقبل على رسول الإسكندر فقال : خذه وردّه إلى الملك - يعني التراب - ولم يحدث فيه حادثة .