السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

174

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

نقل القرطبي « 1 » عن أبي بكر الطرطوشي ( * ) أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤن شيئا من القرآن ، ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبّابة « 2 » ، هل الحضور معهم حلال أو لا ؟ . فأجاب : مذهب السادة الصوفية ، ان هذا بطالة وجهالة . ( قال العلامة الدميري في حياة الحيوان الكبرى : وقد رأيت أنه أجاب بلفظ غير هذا وهو أنّه قال : مذهب الصوفية بطالة وضلالة وجهالة ، إلى آخر كلامه ) . وما الإسلام إلّا كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون ، فهو دين الكفار ، وعباد العجل . وإنّما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يجلس مع أصحابه كأنّ على رؤوسهم الطير مع الوقار . فينبغي للسلطان ونوّابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ، ولا يحلّ لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا يعينهم على باطلهم . هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة المسلمين . انتهى . ولنعد إلى ما نحن بصدده . ثم لم نزل نصل المسير بالسرى ، ونفترع الآكام والذرى ، حتى طوينا جملة تلك المراحل ، وقطعنا الخصب منها والماحل ، فكان آخر منزل نزلناه ، وأمطنا فيه شعث السفر وأزلناه : قصرا لبعض خدام مولانا السلطان ، يشتمل على بستان يملأ العين قرّة ويسلي عن الأوطان . مستحكم الأركان والقواعد ، قد استدار به نهر استدارة القلب « 3 » بالساعد ، يختال من روضه في حلّة مفوّفة بالأزهار ، مطرّزة بالجداول والأنهار . فبتنا به ليلة نراقب فيها تشمير الليل ذيله ، فلما أسفر الفجر عن صبح يوم الجمعة المبارك بقدرة اللّه تعالى وتبارك ، لثمان بقين من شهر ربيع الأول

--> ( 1 ) هو أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، من كبار المفسرين . توفي سنة 671 ه ( الأعلام 6 / 217 ) . ( 2 ) الشبابه ( بفتح الشين وتشديد الباء ) : قصبة الزمن . ( 3 ) القلب ( بالضم ) : سوار للمرأة غير ملوي .