السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

175

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

قضى اللّه بانقضاء مدة هذا السفر المطوّل ، فسرنا وقد استقبلتنا المواكب ما بين راجل وراكب حتى وافينا قلعة ( كلكنده ) نصر اللّه صاحبها وجنده ، وهي دار الملك الخطير ، ومقرّ المنبر والسرير ، وغاية الجهة التي قصدناها ، ونهايتها التي أردناها فوردناها ، فكانت محطّ رحالنا وإليها مطارح آمالنا . واجتمعنا بالوالد في ذلك اليوم اجتماعا لم يخطر ببال في يقظة ولا نوم ، فأقرّ اللّه به العين ، وأراح من مشاق السفر ومتاعب البين ، وبها ألقينا عصا الترحال ، والحمد للّه على كلّ حال . ومن الغريب أن بعض الفضلاء الذين بحضرة الوالد أرّخ اجتماعنا هذا بقوله ( تمّ سرور اللّقاء ) فكان واللّه كذلك فأنا لم نر بعد ذلك اليوم يوم سرور خاليا من بواعث الهموم والشرور ، بل لم تنتج الأعمال إلّا خلاف مطمح الآمال ، وآلت الحال إلى قول من قال : يا ضيعة الأمل الذي وجّهته * طمعا إلى الأقوام بل يا ضيعتي وسرى السّفائن ينثني بصدورها * موج كأسنمة الجمال الجلّة « 1 » يا دهر حسبك قد أصبت مقاتلي * ما زلت تطلب بالمقادر غرّتي مالي أحيل على سواك بما جنى * قدر على قدر وأنت بليّتي هذا وإنّما أعجلنا هذا الكلام في هذا المقام ليستدل على الآخر بالأول ، ويستغنى بالمختصر عن المطوّل ، فاللّبيب تكفيه الإشارة ، والغبي لا يفهم بصريح العبارة ، على أني أقول بعد هذا المنقول : وثمّ أمور ليس يمكن كشفها * شكايتها عزّت فواجبها الكتم وقد أسلفت في الديباجة ما قضيت به الحاجة ، فحبس العنان عن هذا المدى ، أولى عند أولي الهدى . فطوبى لمن عقل لسانه وكفّه ، وأطلق بالخير بنانه وكفّه ، فمن فرّط في التحفّظ أسف على ما فرط منه من التلفّظ . عصمنا اللّه بالمراقبة لصون اللسان عما يدني من الإساءة وينئي عن الإحسان ، فإنه

--> ( 1 ) الجلة ( بالكسر ) : الإبل العظام ، للواحد والجمع ، والذكر والأنثى .