السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
153
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
قيل تصحيفه ولكن إذا ما * عكسوه يصير لي ثلثاه « 1 » قال المسعودي : وتزعم الهنود أنّ كلّ ذي لسان فأصل لسانه إلى داخل وطرفه إلى خارج ، إلّا الفيل فإن طرف لسانه إلى داخل وأصله إلى خارج . قالوا : ولولا أن لسانه مقلوب ثم لقّن الكلام لتكلّم . والهند تشرفه وتفضّله على سائر الحيوانات لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة ، من علوّ سمكه ، وعظم جثّته ، وبديع منظره ، وطول خرطومه ، وسعة أذنه ، وطول عمره ، وثقل جسمه ، وخفّة وطئه ، وقلّة اكتراثه لما يوضع على ظهره . وإنّه مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة يمرّ بالإنسان فلا يحسّ بوطئه ، ولا يشعر به حتى يغشاه لحسن خطوه واستقامة مشيه . وهو إذا اغتلم كثر شرّه وصعبت رياضته ، وربّما قتل كلّ من يلقاه في حال اغتلامه . وفيه من الفهم ما يقبل التأديب ، ويفعل ما يأمره به سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب . وهو ذو حقد شديد ، ربّما تعرّض لمن سبّه في وجهه . قلت : ولقد أخبرني شخص أن فيلا صغيرا وقف على دكان خيّاط وعبث به فغرز الخياط الإبرة في خرطومه ، فتركه ومضى ثم عاد إليه وقد ملأ خرطومه وحلا فنفخ به في دكان الخياط ، فأتلف عليه ما أصاب من الثياب ، وهذا من غريب ما يحكى عن فهمه وفطنته وشدّة حقده « 2 » . وحكى أرسطو : أن فيلا ظهر أنّ عمره أربعمائة سنة ، واعتبر ذلك بالوسم . وإذا دخلت البعوضة أذن الفيل قتلته ، فهو لم يزل يذبّ عن أذنه ليلا ونهارا . وما أحسن قول أبي الفتح البستي ( * ) :
--> ( 1 ) ( قيل ) تصحيف ( فيل ) ، وثلثا كلمة فيل المعكوسة ( لي ) . ( 2 ) رأيت فيلا ضخما - في حديقة للحيوانات بطهران - يروح ويجيء ضمن دائرة ليست بالكبيرة وبالقرب منه حفرة فيها ماء قذر . وكان إلى جنبي رجل إيراني كهل حسن الهيئة فوكز الفيل في مؤخره بعصا مدببة كانت بيده فلم يلتفت الفيل ، ولكنه غمس خرطومه بذلك الماء . ولما عاد متجها إلينا رفع خرطومه وأفرغ ما فيه على صاحب العصا فغمره بالوحل من قمّة رأسه إلى قدميه .