السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

152

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

ذهب حيثما ذهبنا ودرّ * حيث درنا وفضّة في الفضاء « 1 » حيث انتهينا إلى عقبة يسفّ عن مرتقاها العقاب ، ويخفّ عند ارتقاء ذراها أشدّ العقاب . لا مطمع لراق فيها إلّا على قدمه ، ولو أفضى إلى إراقة دمه . فأنخنا تحتها ليلة ، وكلّ قد شمرّ لصعودها ذيله ، فما إنجاب الليل إلّا وارتقيناها كانحدار السيل ، فاقتعدنا مع الشمس ذروتها ، وامتطينا صهوتها ، ورأينا فيها من سيول الماء ، وعيون موادها غيوث السماء ، ما لا انصبابها دويّ كالرعد القاصف ، أو الرياح العواصف ، وشاهدنا منها ما يخالف العادات ، وتفتقر رواته إلى الشهادات . فإن نفس قلّتها أرض متساوية الطول والعرض تمتد إلى جميع تلك الأقطار ، ولا يحتاج معها إلى هبوط وانحدار . فسبحان المتفرّد بالاقتدار . وكانت هذه البقعة منقطع أعمال ( كوكن ) ومبتدأ أعمال ( الدكن ) . فألفينا الربيع قد قشع عن هذا القطر سحابه ، والشتاء عمّ شعابه ورحابه . فسرنا وقد أرجف بان المسالك شاغرة ، وأمراء هذا الملك متشاجرة ، وذلك لموت ملكهم وقيام ابنه مقامه ، فاستحوذ كلّ على ما تحت يده ، واستبدّ بعدّته وعدده ، فاستقبلوا ادبارا وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً « 2 » . ولم نزل نبثّ العيون في تلك الأقطار لتجنب مقاحم الأخطار ، وإن كان معنا من العسكر عدد ، إلّا أنّه لا يفي للقيام إلى أمير يدعي الملك بمدد . ورأينا في بعض المنازل فيلا لبعض العمال ولم نكن نراه قبل ذلك ، فعجبنا من عجيب خلقته ، وغريب صورته ، وعظيم جثته ، فسبحان مبدع العالم باقتداره ، ومدبر الأشياء على مشيئته واختياره . والعرب تكني الفيل أبا الحجاج ، وأبا مزاحم ، وأبا الحرمان ، والفيلة : أمّ شبل . قال بعضهم ملغزا فيه : ما اسم شيء تركيبه من ثلاث * هو ذو أربع تعالى الإله « 3 »

--> ( 1 ) ورد البيت في رسالة لعبد الصمد بن علي الطبري من شعراء دمية القصر للباخرزي . تراجع الدمية ( طبعة حلب ) ص / 213 - 215 ) . ( 2 ) سورة نوح / 7 . ( 3 ) في ك ( أيّ شيء ) .