ابن فضلان

85

رحلة ابن فضلان

وقت طلوع الكواكب كلّها حتّى تطبق السماء « 258 » . فما برحنا من البلد حتّى امتدّ اللّيل وقصر النهار . ورأيتهم يتبرّكون بعواء الكلاب جدا ويفرحون به ويقولون : سنة خصب وبركة وسلامة . ورأيت الحيّات عندهم كثيرة حتّى إنّ الغصن من الشجرة لتلتفّ عليه العشرة منها والأكثر ولا يقتلونها ولا تؤذيهم ، حتى لقد رأيت في بعض المواضع شجرة طويلة يكون طولها أكثر من مئة ذراع ، وقد سقطت وإذا بدنها عظيم جدا فوقفت أنظر إليه إذ تحرّك فراعني ذلك وتأمّلته فإذا عليه حيّة قريبة منه في الغلظ والطول فلمّا رأتني سقطت عنه وغابت بين الشجر فجئت فزعا فحدّثت الملك ومن كان في مجلسه فلم يكترثوا لذلك وقال : لا تجزع فليس تؤذيك . ونزلنا مع الملك منزلا ، فدخلت أنا وأصحابي تكين وسوسن وبارس ومعنا رجل من أصحاب الملك بين الشجر ، فرأينا عودا صغيرا أخضر كرقّة المغزل وأطول ، فيه عرق أخضر ، على رأس العرق ورقة عريضة مبسوطة على الأرض مفروش عليها مثل النّابت فيها حب ، ولا يشكّ من يأكله أنّه رمّان أمليسي « 259 » فأكلنا منه فإذا به من اللّذّة أمر عظيم فما زلنا نتبعه ونأكله . ورأيت لهم تفاحا أخضر شديد الخضرة وأشدّ حموضة من خلّ الخمر وتأكله

--> ( 258 ) هنا ما يقول الإصطخري عن هذا النهر : « وأما نهر إثل فإنه بلغني يخرج من قرب خرخير ، فيجري فيما بين الكيماكيّة والغزيّة ، وهو الحد بين الكيماكيّة والغزيّة ، ثم يذهب غربا على ظهر بلغار ، ويعود راجعا إلى ما يلي المشرق حتى يجوز على الروس ، ثم يمرّ على بلغار ثم على برطاس حتى يقع في بحر الخزر ، ويقال إنه يتشعب من هذا النهر نيف وسبعون نهرا ، ويبقى عمود النهر يجري على الخزر حتى يقع في البحر ، ويقال إن هذه المياه إذا كانت مجموعة في نهر واحد أعلاه يزيد على جيحون ، ويبلغ من كثرة هذه المياه وغزارتها أنها تنتهي إلى البحر ، فتجري في البحر داخلا مسيرة يومين ، وتغلب على ماء البحر حتى يجمد في الشتاء لعذوبته وحلاوته ، ويبين في البحر لونه من لون البحر » . ( 259 ) رمان أمليسي وأمليس : رمان حلو طيب ، لا عجم فيه أي لا نواة له .