ابن فضلان
71
رحلة ابن فضلان
فيجعلونه كالمجاديف ، ولا يزالون يجدفون والماء يحملها وهي تدور حتى نعبر « 195 » ، فأمّا الدوابّ والجمال فإنه يصاح بها فتعبر سباحة ، ولا بدّ أن تعبر جماعة من المقاتلة « 196 » ومعهم السلاح قبل أن يعبر شيء من القافلة ليكونوا طليعة للنّاس خيفة من الباشغرد « 197 » أن يكبسوا الناس وهم يعبرون .
--> ( 195 ) هذا يعني أنهم عملوا من سفرهم المصنوعة من جلود الجمال نوعا من القوارب أو القفف ( الشكل الدائري للقفة العراقية التي كانت موجودة حتى الأربعينات ليس بعيدا عما يصوّره ابن فضلان هنا ) ، وصاروا يجذفون بخشب شجر الحور من أجل اجتياز النّهر . ( 196 ) المقاتلة : ومفردها المقاتل وهو من يصلح للقتال أو يباشره . ( 197 ) الباشغرد : أو البشكير . يذكر ياقوت أن الباشغرد هم ( باش جرد ) أو ( باش قرد ) من الأتراك ، وهم شرّ هذه الأقوام . على أنه يذكر في مادة « باشغرد » من كتابه الشهير أنه قد تعرّف إلى الباشغرد - وهم مسلمو المجر اليوم في الحقيقة - في العام 626 للهجرة . وأنه التقى أحدهم في حلب : « وأما فإني وجدت بمدينة حلب طائفة كبيرة يقال لهم الباشغرديّة ، شقر الشعور والوجوه ، يتفقّهون على مذهب الإمام أبي حنيفة ، رضي اللّه عنه » . هو يمضي للقول « فسألت رجلا منهم عن بلادهم وحالهم ، فقال : أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية في مملكة أمة من الإفرنج يقال لهم الهنكر ( أي الهنغار ) ، ونحن مسلمون رعية لملكهم في طرف بلاده نحو ثلاثين قرية ، كل واحدة تكاد تكون بليدة ، إلّا أنّ ملك الهنكر لا يمكّننا أن نعمل على شيء منها سورا خوفا من أن نعصي عليه ، ونحن في وسط بلاد النصرانية ، فعن شمالنا بلاد الصقالبة ، وقبلينا بلاد الباب يعني روميا ، والباب رئيس الإفرنج ، وهو عندهم نائب المسيح ، كما هو أمير المؤمنين عند المسلمين ، ينفذ أمره في جميع ما يتعلّق بالدين في جميعهم . قال : ولساننا لسان الإفرنج وزيّنا زيّهم ونخدم معهم في الجنديّة ونغزو معهم كلّ طائفة لأنّهم لا يقاتلون إلّا مخالفي الإسلام » . وهو يستطرد صاحب ( معجم البلدان ) فيقول « فسألتهم عن سبب إسلامهم مع كونهم في وسط بلاد الكفر ؟ . فقال : سمعت جماعة من أسلافنا يتحدّثون أن قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من المسلمين في بلاد البلغار ، وسكنوا بيننا وتلطّفوا في تعريفنا ما نحن عليه من الضّلال ، وأرشدونا إلى الصواب من دين الإسلام ، فهدانا الله ، والحمد لله ، فأسلمنا جميعا ، وشرح الله صدورنا للإيمان ، ونحن نقدم إلى هذه البلاد ونتفقّه فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلنا وولّونا أمور دينهم » .