ابن فضلان

62

رحلة ابن فضلان

بيوت شعر يحلون ويرتحلون ترى منهم الأبيات في كل مكان ، ومثلها في مكان آخر على عمل البادية وتنقلهم وإذا هم في شقاء ، وهم مع ذلك كالحمير الضالة ، لا يدينون لله بدين ولا يرجعون إلى عقل ولا يعبدون شيئا ، بل يسمّون كبراءهم أربابا « 127 » ، فإذا استشار أحدهم رئيسه في شيء قال له : يا رب إيش « 128 » أعمل في كذا وكذا وأمرهم شورى بينهم غير أنهم متى اتفقوا على شيء وعزموا عليه جاء أرذلهم وأخسّهم فنقض ما قد أجمعوا عليه . وسمعتهم يقولون : لا إله إلا الله محمد رسول اللّه تقرّبا بهذا القول إلى من يجتاز بهم من المسلمين لا اعتقادا لذلك ، وإذا ظلم أحد منهم أو جرى عليه أمر يكرهه رفع رأسه إلى السماء وقال : بير تنكري ، وهو بالتركية الله الواحد لأن بير بالتركية واحد وتنكري : الله بلغة الترك . ولا يستنجون « 129 » من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة « 130 » ولا غير ذلك ، وليس بينهم وبين الماء عمل خاصة في الشتاء ، ولا يستتر نساؤهم من رجالهم ولا من غيرهم ، كذلك لا تستر المرأة شيئا من بدنها عن أحد من الناس . ولقد نزلنا يوما على رجل منهم فجلسنا وامأة الرجل معنا فبينا هي تحدثنا إذ كشفت فرجها وحكّته ، ونحن ننظر إليها فسترنا وجوهنا وقلنا : أستغفر الله ، فضحك زوجها وقال للترجمان : قل لهم تكشفه بحضرتكم فترونه وتصونه فلا يوصل إليه هو

--> ( 127 ) أرباب : أليس المقصود بذلك أنهم كانوا يسمون كبراءهم ( سادة ) بالأحرى وليس الأرباب بالمعنى الديني المعروف ؟ فاللغات جميعها يمكن أن تطلق على ( السيد ) وصاحب الأمر والنهي ، لفظة الرب بمعنى المتسيّد ، عالي الشأن . في العربية كذلك نقول ( رب البيت ) أو ربته من دون أية إحالة إلى الرب جل وعلا . لذلك فإنني أشك باستخدام الترك كلمة ( الأرباب ) بالمعنى الذي يذكره هنا ابن فضلان . ( 128 ) أيش كلمة من فصيح الكلام وهي اختصار لأي شيء ، وترد كثيرا في أمهات كتب التاريخ . ( 129 ) استنجى : النجو هو ما يخرج من البطن من ريح وغائط ، واستنجى : استتر بنجوة وهي المرتفع من الأرض ، واستنجى : تطهّر بالماء وغيره . ( 130 ) الجنابة : حال من ينزل منه مني ، أو يكون منه جماع .