ابن فضلان
57
رحلة ابن فضلان
--> في المرة الثانية : هو ذا أرى جميع قرابتي الموتى قعودا . وقالت في المرة الثالثة : هو ذا أرى مولاي قاعدا في الجنة ، والجنة حسنة خضراء ومعه الرجال والغلمان ، وهو يدعوني فاذهبوا بي إليه . فمرّوا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا معها فدفعتهما إلى المرأة العجوز التي تسمى ملك الموت وهي التي تقتلها ، ونزعت خلخالين كانا عليها ودفتهما إلى الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها وهما ابنتا المعروفة بملك الموت ، ثم أصعدوها إلى السفينة ولم يدخلوها إلى القبّة . وجاء الرجال ومعهم التراس والخشب ، ودفعوا إليها قدحا من نبيذ فغنت عليه وشربته ، فقال لي التّرجمان : إنها تودّع صواحباتها بذلك ، ثم دفع إليها قدح آخر فأخذته وطوّلت الغناء والعجوز تستحثها على شربه والدخول إلى القبّة التي فيها مولاها ، فرأيتها وقد تبدّلت ، وأرادت الدخول إلى القبّة فأدخلت رأسها بين القبّة والسفينة ، فأخذت العجوز رأسها وأدخلتها القبة ، ودخلت معها العجوز وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئلا يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجواري فلا يطلبن الموت مع مواليهنّ ، ثم دخل القبة ستة رجال فجامعوا بأسرهم الجارية ، ثم أضجعوها إلى جنب مولاها الميت ، وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها ، وجعلت العجوز التي تسمى ملك الموت في عنقها حبلا مخالفا ودفعته إلى اثنين ليجذباه ، وأقبلت ومعها خنجر عظيم عريض النّصل فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعا موضعا وتخرجه والرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت ، ثم وافى أقرب الناس إلى ذلك الميت فأخذ خشبة فأشعلها بالنار ، ثم مشى القهقرى نحو قفاه إلى السفينة والخشبة في يده الواحدة ويده الأخرى على استه وهو عريان حتى أحرق ذلك الخشب الذي قد عبوه تحت السفينة من بعد ما وضعوا الجارية التي قتلوها في جنب مولاها ، ثم وافى الناس بالخشب والحطب ومع كل واحد خشبة وقد ألهب رأسها ، فيلقيها في ذلك الخشب فتأخذ النار في الحطب ثم في السفينة ثم في القبة والرجل والجارية وجميع ما فيها ، ثم هبت ريح عظيمة هائلة فاشتدّ لهب النار واضطرم تسعّرها ، وكان إلى جانبي رجل من الروسية فسمعته يكلم الترجمان الذي معه فسألته عما قال له ، فقال : إنه يقول أنتم معاشر العرب حمقى لأنكم تعمدون إلى أحب الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب فتأكله الهوام والدود ، ونحن نحرقه بالنار في لحظ فيدخل الجنة من وقته وساعته ، ثم ضحك ضحكا مفرطا . وقال من محبة ربه له قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعته ، فما مضت على الحقيقة ساعة حتى صارت السفينة والحطب والرجل الميت والجارية رمادا رمددا . ثم بنوا على موضع السفينة وكانوا أخرجوها من النهر شبيها بالتل المدور ، ونصبوا في وسطه خشبة كبيرة خذنج ، وكتبوا عليها اسم