ابن فضلان
56
رحلة ابن فضلان
--> منكم يموت معه ؟ . فيقول بعضهم : أنا . فإذا قال ذلك فقد وجب عليه لا يستوي له أن يرجع أبدا ، ولو أراد ذلك ما ترك وأكثر ما ترك وأكثر ما يفعل هذا الجواري ، فلمّا مات ذلك الرجل الذي قدمت ذكره قالوا لجواريه : من يموت معه ؟ . فقالت إحداهن : أنا . فوكلوا بها جاريتين تحفظانها وتكونان معها حيثما سلكت حتى إنهما ربما غسلتا رجليها بأيديهما ، وأخذوا في شأنه وقطع الثياب له وإصلاح ما يحتاج له ، والجارية في كل يوم تشرب وتغنّي فارحة مستبشرة ، فلمّا كان اليوم الذي يحرق فيه هو والجارية حضرت إلى النهر الذي فيه سفينته ، فإذا هي قد أخرجت وجعل لها أربعة أركان من خشب الخلنج وغيره ، وجعل حولها أيضا مثل الأناس الكبار من الخشب ، ثم مدّت حتى جعلت على ذلك الخشب ، وأقبلوا يذهبون ويجيئون ويتكلمون بكلام لا أفهمه وهو بعد في قبره لم يخرجوه ، ثم جاؤوا بسرير فجعلوه على السفينة وغشوه بالمضربات الديباج الرومي والمساند الديباج الرومي ، ثم جاءت امرأة عجوز يقولون لها ملك الموت ففرشت على السرير الذي ذكرناه ، وهي وليت خياطته وإصلاحه ، وهي تقتل الجواري ورأيتها حواء نيّرة ضخمة مكفهرة ، فلمّا وافوا قبره نحوا التراب عن الخشب ونحوا الخشب واستخرجوه في الإزار الذي مات فيه ، فرأيته قد اسودّ لبرد البلد ، وقد كانوا جعلوا معه في قبره نبيذا وفاكهة وطنبورا ، فأخرجوا جميع ذلك وإذا هو لم يتغير منه شيء غير لونه ، فألبسوه سراويل ورانا وخفا وقرطقا وخفتان ديباج له أزرار ذهب ، وجعلوا على رأسه قلنسوة من ديباج سمّور ، وحملوه حتى أدخلوه القبّة التي على السفينة ، وأجلسوه على المضربة وأسندوه بالمساند ، وجاؤوا بالنبيذ والفواكه والريحان فجعلوه معه ، وجاؤوا بخبز ولحم وبصل فطرحوه بين يديه ، وجاؤوا بكلب فقطعوه نصفين وألقوه في السفينة ، ثم جاؤوا بجميع سلاحه فجعلوه إلى جانبه ، ثم أخذوا دابتين فأجروهما حتى عرقتا ، ثم قطعوهما بالسيوف وألقوا لحمهما في السفينة ، ثم جاؤوا ببقرتين فقطّعوهما أيضا وألقوهما في السفينة ، ثم أحضروا ديكا ودجاجة فقتلوهما وطرحوهما فيها ، والجارية التي تقتل ذاهبة وجائية ، تدخل قبّة قبّة من قبابهم فيجمعها واحد واحد وكل واحد يقول لها : قولي لمولاك إنما فعلت هذا من محبتك . فلمّا كان وقت العصر من يوم الجمعة جاؤوا بالجارية إلى شيء عملوه مثل ملين الباب فوضعت رجلها على أكف الرجال وأشرفت على ذلك الملبن وتكلمت بكلام لها ، فأنزلوها ثم أصعدوها ثانية ففعلت كفعلها في المرة الأولى ، ثم أنزلوها وأصعدوها ثالثة ففعلت فعلها في المرتين ، ثم دفعوا لها دجاجة فقطعت رأسها ورمت به ، فأخذوا الدجاجة وألقوها في السفينة ، فسألت التّرجمان عن فعلها فقال : قالت في المرة الأولى : هو ذا أرى أبي وأمي . وقالت