ابن خلدون
96
رحلة ابن خلدون
واقعة طريف ، فرعى له أبو الحجّاج ذمّة تلك المعرفة ، وأدناه ، واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء ، فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السّلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه ، واستيلائه على تلمسان وأعمالها ، فقدم عليه ورعى له وسائله ، ونظمه في أكابر أهل مجلسه وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العلمي ، ويدرّس في نوبته مع من يدرّس في مجلسه منهم ؛ ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين ؛ ليخطب له ابنة السّلطان أبي يحيى ، فردّت تلك الخطبة واختفت بتونس . ووشي إلى السّلطان أبي عنان أنّه كان مطّلعا على مكانها ، فسخطه لذلك ، ورجع السّلطان من قسنطينة ، فثار أهل تونس بمن كان بها من عمّاله وحاميته . واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهههدية ، « 189 » فجاء ، وملك البلد ، وركب القوم الأسطول ، ونزلوا بمراسي تلمسان . وأوعز السّلطان ( أبو عنان « 190 » ) باعتقال ابن مرزوق ، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدّمي الجنادرة « 191 » ببابه ، فلقيه بتاسّالة ، « 192 » فقيده هنالك ، وجاء به ، فأحضره السّلطان وقرّعه ، ثم حبسه مدّة ، وأطلقه بين يدي مهلكه ؛ واضطربت الدولة بعد موت السّلطان أبي عنان ، وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق . وحاصروا البلد الجديد ، وبها ابنه السعيد ، ووزيره المستبد عليه ، الحسن بن عمر ، وكان السّلطان أبو سالم بالأندلس ، غرّبه إليها أخوه السّلطان أبو عنان ، مع بني عمهم ، ولد السّلطان أبي عليّ بعد وفاة السّلطان أبي الحسن ، وحصولهم جميعا في قبضته . فلما توفى ، أراد أبو
--> ( 189 ) المهدية Mahdia : ) مدينة على الساحل بتونس ، بناها عبيد الله المهدي رأس العبيديين ؛ عرضها الشمال 30 - 35 ، وطولها الشرقي 00 - 11 . ياقوت 8 / 206 - 208 . ( 190 ) الزيادة عن ش . ( 191 ) يريد بالجنادرة رجال الشرطة ؛ والمفرد : جاندار الذي يتكون من كلمتين فارسيتين : جان ، ومعناها : سلاح ، ودار معناها ممسك . انظر السلوك للمقريزي ص 133 . ( 192 ) موقع « جبال تاسالة » ( Tessaia ) بالجزائر ، بجانب عين تموشنت ، في ناحية الجنوب منها .