ابن خلدون

97

رحلة ابن خلدون

سالم النهوض لملكه بالمغرب ، فمنعه رضوان « 193 » القائم يومئذ بملك الأندلس ، مستبدا على ابن السّلطان أبي الحجّاج ، فلحق هو بإشبيلية ، من دار الحرب ، ونزل على بطره ، « 194 » ملكهم يومئذ ، فهيّأ له السّفين ، وأجازه إلى العدوة ، فنزل بجبل الصّفيحة ، « 195 » من بلاد غمارة ، وقام بدعوته بنو مثنى ، وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم ، حتى تم أمره ، واستولى على ملكه ، في خبر طويل ، ذكرناه في أخبار دولتهم . وكان ابن مرزوق يداخله ، وهو بالأندلس ، ويستخدم له ، ويفاوضه في أموره ، وربّما كان يكاتبه ، وهو بجبل الصفيحة ، ويداخل زعماء قومه ، في الأخذ بدعوته . فلمّا ملك السّلطان أبو سالم ، رعى له تلك الوسائل أجمع ، ورفعه على الناس ، وألقى عليه محبّته ، وجعل زمام الأمور بيده ، فوطئ الناس عقبه ، وغشي أشراف الدّولة بابه ، وصرفوا الوجوه إليه ، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ، ونقموه على السّلطان ، وتربّصوا به ، حتى توثّب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد ، وافترق الناس عن السّلطان . وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين ، وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه ؛ محمّد بن عبد الرحمن ابن أبي الحسن ، فامتحنه ، واستصفاه ، ثم أطلقه ، بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله ، فمنعه منهم . ولحق بتونس ، سنة أربع وستين ، ونزل . على السّلطان أبي إسحق ، وصاحب دولته المستبدّ عليه ، أبي محمد بن تافراكين ، فأكرموا نزله ، وولّوه الخطابة ، بجامع الموحّدين بتونس ، وأقام بها ، إلى أن هلك السّلطان أبو إسحق سنة سبعين ، وولي ابنه خالد . وزحف السّلطان أبو العبّاس ، حافد السّلطان أبي يحيى ، مقرّه بقسنطينة إلى تونس ،

--> ( 193 ) هو أبو النعيم رضوان . تولى الحجابة والوزارة ، لأبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن الأحمر ، واستبد على ملكه ، فقبض عليه عام 047 ه . انظر اللمحة البدرية ص 89 ، وتاريخ ابن خلدون 8 / 306 . ( 194 ) اصطلح ابن خلدون على كتابة « بطره » بطاء ، فوقها نقطتان ، إشارة إلى أن نطقها بين الطاء والتاء ؛ وقد أشار إلى الطريق التي اتبعها في رسم مثل هذا الحرف ، مما خرج منه عن النطق العربي الخالص - في أول مقدمته ص 17 طبع بولاق . ( 195 ) انظر تفصيل نزول أبي سالم ببلاد غمارة ، وأخباره في العبر 7 / 304 ، 312 .