ابن خلدون
80
رحلة ابن خلدون
فاستخدمهم يغمراسن بن زيّان ، وولده في جندهم ، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته ، فولدت له محمّدا هذا . ونشأ بتلمسان في كفالة جدّه القاضي ، فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل أبيه ( وعمّه « 129 » ) . فلما يفع وأدرك ، سبق إلى ذهنه محبّة التّعاليم ، فبرع فيها ، واشتهر . وعكف الناس عليه في تعلّمها وهو في سن البلوغ . ثم أطلّ السّلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان ، وجثم عليها يحاصرها . وسيّر بعوثه إلى الأعمال ، فافتتح أكثرها ، وكان إبراهيم الآبلي قائدا بهنين ؛ مرسى تلمسان في لمة من الجند ، فلمّا ملكها يوسف بن يعقوب ، اعتقل من وجد بها من شيع ابن زيّان ، واعتقل إبراهيم الآبليّ فيهم ، وشاع الخبر في تلمسان بأنّ يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم ، فتشوّف ابنه محمد إلى اللحاق به ، من أجل ذلك ، وأغراه أهله بالعزم عليه ، فتسوّر الأسوار ، وخرج إلى أبيه ، فلم يجد خبر الاسترهان صحيحا . واستخدمه يوسف بن يعقوب قائدا على الجند الأندلسيين بتاوريرت ، فكره المقام على ذلك ، ونزع عن طوره ، ولبس المسوح ، وسار قاصدا الحجّ . وانتهى إلى رباط العبّاد « 130 » مختفيا في صحبة الفقراء ، فوجد هنالك رئيسا من أهل كربلاء « 131 » ثم من بني الحسين ، جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوتهم فيه ، وكان معقّلا ؛ فلمّا رأى عساكر يوسف بن يعقوب ، وشدّة هيبته ، غلب عليه اليأس من مرامه ، ونزع عن ذلك ، واعتزم الرّجوع إلى بلده ، فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته . قال لي رحمه الله : وبعد حين انكشف لي حاله ، وما جاء له ، واندرجت في
--> ( 129 ) الزيادة عن ط . ( 130 ) مرتفع جميل خارج مدينة تلمسان ، كان مدفن الأولياء والصلحاء والعلماء . وهناك موضعان عرفا باسم « العباد » ؛ أحدهما يسمى العباد الفوقي ، وكان بعيدا نوعا ما عن المدينة ، والثاني العباد السفلي ، وكان بباب الجياد من أبواب تلمسان . ( 131 ) هو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وقد أطلق اليوم اسم كربلاء على لواء كامل من ألوية العراق ، Karbala ) عرضه الشمالي 33 - 32 وطوله الشرقي 6 - 44 ) . ياقوت 7 / 229 .