ابن خلدون
78
رحلة ابن خلدون
بلدهما . وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك ، وبقي أخوه أبو موسى متبوّئا ما شاء من ظلال تلك الكرامة . ولمّا سار السّلطان أبو الحن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين ، كما مرّ في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرّما ، موقّرا ، عالي المحلّ ، قريب المجلس منه . فلمّا استولى على إفريقية ، سرّحه إلى بلده ، فأقام بها يسيرا ، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين . وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة ، ومتوقّلين قللها طبقا عن طبق إلى هذا العهد . وأما السّطّي ، واسمه محمد ( بن علي ) بن سليمان ، من قبيلة سطّة ، من بطون أوربة بنواحي فاس . نزل أبوه « 118 » سليمان مدينة فاس ، ونشأ محمد بها ، وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصّغيّر « 119 » إمام المالكية بالمغرب ، والطّائر الذّكر ، وقاضي الجماعة بفاس ، وتفقه عليه . وكان أحفظ الناس لمذهب مالك ، وأفقههم فيه . وكان السّلطان أبو الحسن لدينه وسراوته ، وبعد شأوه في الفضل ، يتشوّف إلى تنويه مجلسه بالعلماء ، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته . كان منهم هذا الإمام محمد « 120 » بن سليمان . وقدم علينا بتونس في جملته ، وشهدنا وفور فضائله . وكان في الفقه من بينها لا يجارى ، حفظا وفهما ، عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ عليه من كتاب التّبصرة لأبي الحسن اللّخمي ، « 121 » وهو يصحّحه عليه من إملائه وحفظه ، في مجالس عديدة . وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب .
--> ( 118 ) في الجذوة « نزل أبوه علي بن سليمان » . ( 119 ) هو علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلى أبو الحسن ، يعرف بالصغير ( مصغرا ) ؛ وجوز في جذوة الاقتباس فتح الصاد ، وكسر الغين . توفى 719 ديباج ص 212 ، جذوة 219 ، الاستقصا 2 / 88 . ولابن خلدون رأي في أبي الحسن هذا . انظره في العبر 7 / 340 . ( 120 ) في الجذوة : محمد بن علي . ( 121 ) أبو الحسن علي بن محمد ؛ قيرواني الأصل ، ونزل سفاقص ، وبها مات . له تعليق كبير على المدونة سماه التبصرة ، وهو مفيد حسن ، له فيه اختيارات ، وآراء ، خرج بها عن مذهب مالك توفي سنة 498 . معالم الإيمان 3 / 246 ، ديباج ص 203 ، رحلة العبدري 126 ب .