ابن خلدون
59
رحلة ابن خلدون
جوّ تلك النعمة ومرعاها . وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع وأربعين ، وولي ابنه المستنصر محمد ، فأجرى جدّنا أبا بكر على ما كان لأبيه . ثم ضرب الدهر ضربانه ، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين ، وولي ابنه يحيى ، وجاء أخوه الأمير أبو إسحق من الأندلس ، بعد أن كان فرّ أمام أخيه المستنصر . فخلع يحيى ، واستقلّ هو بملك إفريقية ، ودفع جدّنا أبا بكر محمدا إلى عمل الأشغال في الدّولة ، على سنن عظماء الموحدين فيها قبله ؛ من الانفراد بولاية العمال ، وعزلهم وحسبانهم ، على الجباية ، فاضطلع بتلك الرّتبة . ثم عقد السّلطان أبو إسحق لابنه محمّد ، وهو جدّنا الأقرب ، على حجابة ولي عهده ابنه أبي فارس أيام أقصاه إلى بجاية . « 48 » ثم استعفى جدّنا من ذلك فأعفاه ، ورجع إلى الحضرة . ولما غلب الدّعيّ بن أبي عمارة « 49 » على ملكهم بتونس ، اعتقل جدّنا أبا بكر محمدا ، وصادره على الأموال ، ثمّ قتله خنقا في محبسه . وذهب ابنه محمد جدّنا الأقرب مع السّلطان أبي إسحق وأبنائه إلى بجاية ، فقبض عليه ابنه أبو فارس ، وخرج في العساكر هو وأخوته لمدافعة الدّعيّ ابن أبي عمارة ، وهو يشبّه بالفضل ابن المخلوع ، حتى إذا استلحموا بمرّماجنّة « 50 » خلص جدّنا محمد مع أبي حفص / ابن الأمير أبي زكرياء من الملحمة ، ومعهما الفازازي وأبو الحسين ابن سيّد الناس ، فلحقوا بمنجاتهم من قلعة سنان . وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص ، وكان يؤثره عليهم . فأمّا أبو الحسين ابن سيّد الناس فاستنكف من
--> ( 48 ) بجاية ( Bougie ) بكسر الباء ، وتخفيف الجيم المفتوحة ، ثم ياء مفتوحة بعد ألف ، وتسمى الناصرية نسبة إلى بانيها الناصر بن علناس بن خمّاد بن زيرى الصنهاجي - بناها في حدود سنة 457 : مدينة بالجزائر تقع على ساحل البحر الأبيض وكانت قاعدة المغرب الأوسط . عرضها الشمالي 50 - 36 وطولها الشرقي 00 - 5 . ياقوت 2 / 62 ، تاج العروس 10 / 31 . ( 49 ) هو أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة من بيوتات بجاية الطائرين عليها من المسيلة . انظر تاريخ ابن خلدون 6 / 296 ، 302 ، والإحاطة 1 / 174 ، صبح الأعشى 5 / 128 . ( 50 ) ( Marmajena ) بفتح الميم وسكون الراء ( وفي ضبط ابن خلدون بتشديد الراء المفتوحة ) وفتح الميم ثم ألف بعدها جيم مفتوحة ، فنون مشددة مفتوحة : قرية بإفريقية لقبيلة هوارة البربرية ، تقع في الشمال الغربي لمدينة تبسّه ، وفي شرقي قلعة سنان . ياقوت 8 / 29 .