ابن خلدون
60
رحلة ابن خلدون
إيثار الفازازي عليه ، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية ، ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان ، « 51 » وكان من شأنه ما ذكرناه . وأمّا محمد بن خلدون فأقام م الأمير أبي حفص ، وسكن لإيثار الفازازي . ولما استولى أبو حفص على الأمر رعى له سابقته ، وأقطعه ، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب ، واستكفى به في الكثير من أهل ملكه ، ورشّحه لحجابته من بعد الفازازي . وهلك ، فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة ، واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدّبّاغ كاتب الفازازي ، وجعل محمد ابن خلدون رديفا في حجابته . فكان كذلك إلى أن هلك السّلطان ، وجاءت دولة الأمير خالد ، فأبقاه على حاله من التجلّة والكرامة ، ولم يستعمله ولا عقد له ، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني ، فاصطنعه ، واستكفى به عندما نبضت عروق التغلب للعرب ؛ ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج ، « 52 » أحد بطون سليم الموطنين بنواحيها ، فكانت له في ذلك آثار مذكورة . ولمّا انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى المشرق ، وقضى فرضه سنة ثمان عشرة ، وأظهر التوبة والإقلاع ، وعاود الحج متنفّلا سنة ثلاث وعشرين ، ولزم كسر بيته . وأبقى السّلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الإقطاع والجراية ، ودعاه إلى حجابته مرارا ، فامتنع . أخبرني محمد بن منصور بن مزنى ، « 53 » قال : لما هلك الحاجب محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار ، سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، استدعى السّلطان جدّك محمد بن خلدون ، وأراده على الحجابة ، وأن يفوّض إليه في أمره ، فأبى واستعفى ، فأعفاه ، ووأمره فيمن يوليه حجابته ، فأشار عليه بصاحب الثغر : بجاية ، محمد بن أبي الحسين بن سيّد الناس ، لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه ، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس ، وبإشبيلية من قبل . وقال له : هو أقدر على ذلك بما هو
--> ( 51 ) ( Tlemcen ) بكسرتين وسكون الميم وسين . وبعضهم يقول : تنمسان ، بالنون عوض اللام . مدينة مشهورة بالمغرب عرضها الشمالي 51 - 34 ، وطولها الغربي 15 - 1 . ( 52 ) انظر بعض أخبار دلاج في تاريخ ابن خلدون 6 / 73 ، 75 . ( 53 ) كان ابن مزنى هذا صديقا لابن خلدون . انظر العبر 6 / 338 .