ابن خلدون
317
رحلة ابن خلدون
أدوائها وأوصابها ، « 1442 » وأورث الأرض عباده الصّالحين من أيدي غصّابها ، بعد أن باهلت فارس بتاجها ، وعصابها ، « 1443 » وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها ، وجعل لها من العلماء حفظة وقوّاما ، ونجوما يهتدي بها التّابع وأعلاما ، يقرّبونها للدّراية تبيانا وإفهاما ، ويوسعونها بالتدوين ترتيبا وإحكاما ، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما . ثمّ اختار لها الملوك يرفعون عمدها ، ويقيمون صغاها « 1444 » بإقامة السياسة وأودها ، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها ؛ فكان لها بالعلماء الظّهور والانتشار ، والذّكر السّيّار ، والبركات المخلّدة والآثار ، ولها بالملوك العزّ والفخار ، والصولة التي يلين لها الجبّار ، ويذلّ لعزّة المؤمنين بها الكفّار ، ويجلّل وجوه الشّرك معها الصّغار ، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار ، والدّول تحتفل والأمصار ، والليل يختلف والنهار ، حتى أظلّت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك ، الماحين بأنوار أسنّتهم ظلم الضّلالة والشّك ، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك ، المصيبين بسهامهم النّافذة ثغر الجهالة والشّرك ، المظهرين سرّ قوله : « لا تزال طائفة من أمّتي » « 1445 » فيما يتناولونه من الأخذ والترك ، ففسحوا خطّة الإسلام ، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام ، وبثّوها في أقصى التخوم من الحجاز والشام ، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك الأنام . واقتعدوا كرسيّ مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام ، على قدم الأيّام ، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران ، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع المثاني والقرآن ، وعمّرت المساجد بالصّلوات والأذان ، تكاثر عدد الحصى والشّهبان ، وقامت المآذن على قدم
--> ( 1442 ) الوصب : الوجع ، والمرض ؛ والجمع أوصاب . ( 1443 ) العصاب : ما يعصب به الرأس من عمامة أو نحوها . ( 1444 ) الصّغا : الميل . ( 1445 ) حديث رواه البخاري في آخر باب « علامة النبوة في الإسلام » ، ومسلم في بابي « الإمارة » ، و « الإيمان » ، وانظر شرح العيني على « صحيح » البخاري 7 / 579 ، وشرح النووي على « صحيح » مسلم 1 / 55 ، 2 / 206 .