ابن خلدون

188

رحلة ابن خلدون

المجاز ، « 621 » واتصال الأرض ببلاد المشرق ، طرقته الأفكار ، وزعزعت صبره رياح الخواطر ، وتذكّر إشراف العمر على التّمام ، وعواقب الاستغراق ، وسيرة الفضلاء عند شمول البياض ، فغلبته حال شديدة هزمت التّعشق « 622 » بالشمل الجميع ، والوطن المليح ، والجاه الكبير ، والسّلطان القليل النظير ، وعمل بمقتضى قوله : « موتوا قبل أن تموتوا » . « 623 » فإن صحّت هذه الحال المرجوّ من إمداد الله ، تنقّلت الأقدام إلى أمام ، وقوي التّعلق بعروة الله الوثقى ، وإن وقع العجز ، وافتضح العزم ، فالله يعاملنا بلطفه . وهذا المرتكب مرام صعب ، لكن سهّله عليّ أمور : منها أن الانصراف لما لم يكن منه بدّ ، لم يتعين على غير هذه الصورة ، إذ كان عندكم من باب المحال . ومنها أن مولاي لو سمح لي في غرض الانصراف ، لم تكن لي قدرة على موقف وداعه ، لا والله ! ولكان الموت أسبق إلي ، وكفى بهذه الوسيلة الحبّية - التي يعرفها - وسيلة . ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به ، وأظنّ أنّي لا أصدق . ومنها اغتنام المفارقة في زمن الأمان ، والهدنة الطويلة ، والاستغناء ، إذ كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال . ومنها - وهو أقوى الأعذار - أنني مهما لم أطق تمام هذا الأمر ، أو ضاق ذرعي به ، لعجز ، أو مرض ، أو خوف طريق ، أو نفاد زاد ، أو شوق غالب ، رجعت رجوع الأب الشفيق ، إلى الولد البرّ الرّضي ، إذ لم أخلّف ورائي مانعا من الرجوع ، من قول قبيح أو فعل ، بل خلّفت الوسائل المرعية ، والآثار الخالدة ، والسّير الجميلة ، وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي ، وكبار وطني ، وأهل طوري ، وتركتكم على أتمّ ما أرضاه ، مثنيا عليكم ،

--> ( 621 ) يريد : الميناء الذي يجاز منه إلى المغرب من الأندلس ؛ وهو جبل طارق . ( 622 ) التعشق : اللزوم للشيء من غير مفارقة . ( 623 ) في « المقاصد الحسنة » للسخاوي ص 206 ، و « التخريجات المختصرة » لأبي الحسن بن ناصر الدين ( نسخة نور عثمانية رقم 717 ) ورقة 86 ظ ، و « موضوعات » على القاري ص 87 - كلهم نقلا عن ابن حجر العسقلاني : « أنه حديث غير ثابت » ؛ وأضاف على القاري قوله : « قلت : هو من كلام الصوفية ، والمعنى : موتوا اختيارا قبل أن تموتوا اضطرارا ؛ والمقصود بالموت الاختياري : ترك الشهوات ، وما يترتّب عليها من الزلات والغفلات » .