ابن خلدون
189
رحلة ابن خلدون
داعيا لكم . وإن فسح الله في الأمد ، وقضى الحاجة ، فأملى العودة إلى ولدي وتربتي ، وإن قطع الأجل ، فأرجو أن أكون ممّن وقع أجره على الله . « 624 » فإن كان تصرفي صوابا ، وجاريا على السداد ، فلا يلام من أصاب ، وإن كان عن حمق ، وفساد عقل ، فلا يلام من اختلّ عقله ، وفسد مزاجه ، بل يعذر ، ويشفق عليه ، ويرحم ، وإن لم يعط مولاي أمري حقّه من العدل ، وجلبت الذّنوب ، وحشرت بعدي العيوب ، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك ، ويستحضر الحسنات ، من الترّبية والتعليم وخدمة السلف وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السّلطان ، والإرشاد للأعمال الصّالحة والمداخة والملابسة ، لم يتخلّل ذلك قطّ خيانة في مال ولا سرّ ، ولا غشّ في تدبير . ولا تعلّق به عار ، ولا كدّره نقص ، ولا حمل عليه خوف منكم ، ولا طمع فيما بيدكم ، فإن لم تكن هذه دواعي الرّعي والوصلة والإبقاء ، ففيم تكون بين بني آدم . وأنا قد رحلت . فلا أوصيكم بمال ، فهو عندي أهون متروك ، ولا بولد فهم رجالكم ، وخدّامكم ، وممّن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم ، ولا بعيال ، فهي من مربيات بيتكم ، وخواصّ داركم ؛ إنّما أوصيكم بحظّي العزيز - كان - عليّ بوطنكم ، وهو أنتم ، فأنا أوصيكم بكم ، فارعوني فيكم خاصّة ، أوصيكم بتقوى الله ، والعمل لغد ، وقبض عنان اللهو في موطن الجدّ ، والحياء من الله الذي محّص وأقال ، وأعاد النعمة بعد زوالها « 625 » « لينظر كيف تعملون » . « 626 » وأطلب منكم عوض ما وفّرته عليكم ، من زاد طريق ، ومكافأة ، وإعانة ، زادا سهلا عليكم ، وهو أن تقولوا لي : غفر الله لك ما ضيّعت من حقّي خطأ أو عمدا ؛ وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت . واعلموا أيضا على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر ، وعند كل
--> ( 624 ) يشير إلى قول الله تعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ آية 100 من سورة النساء . ( 625 ) يشير إلى حادثة خلع ابن الأحمر عن ملكه ، والتجائه إلى بني مرين بالمغرب لإعادة ملكه إليه . والحديث في ذلك مفصّل في العبر 7 / 306 - 309 ، 333 / 334 . ( 626 ) اقتباس من الآية 129 من سورة الأعراف .