ابن خلدون

174

رحلة ابن خلدون

فلقد أخذن على جفونك موثقا * أن لا يرين مع البعاد شحاحا إيه عن الحيّ الجميع وربّما * طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا ومنازل للظّاعنين استعجمت * حزنا وكانت بالسّرور فصاحا وهي طويلة ، ولم يبق في حفظي منها إلا هذا . وبينما نحن في ذلك ، بلغ الخبر بأن السّلطان عبد العزيز « 540 » صاحب المغرب الأقصى من بني مرين ، قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش ، وكان آخذا بمخنّقه « 541 » منذ حول ، وساقه إلى فاس فقتله بالعذاب ، وأنه عازم على النهوض إلى تلمسان ، لما سلف من السّلطان أبي حمّو أثناء حصار السّلطان عبد العزيز لعامر في جبله ، من الإجلاب على ثغور المغرب ، ولحين وصول هذا الخبر ؛ أضرب السّلطان أبو حمّو عن ذلك الشأن الذي كان فيه ، وكرّ راجعا إلى تلمسان . وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء ، مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة ، فاستألف ، وجمع ، وشدّ الرّحال ، وقضى عيد الأضحى ، وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس ، لتعذّر الوجهة إلى بلاد رياح ، وقد أظلم الجوّ بالفتنة ، وانقطعت السّبل ، فأذن لي ، وحمّلني رسالة فيما بينه وبين السّلطان ابن الأحمر . وانصرفت إلى المرسى بهنين ؛ وجاءه الخبر بنزول صاحب لمغرب تازا في عساكره ، فأجفل بعده من تلمسان ، ذاهبا إلى الصحراء عن طريق البطحاء . وتعذّر عليّ ركوب البحر من هنين فأقصرت ، وتأدّى الخبر إلى السّلطان عبد العزيز بأنّي مقيم بهنين ، وأن معي وديعة احتملتها إلى صاحب بالأندلس ، تخيّل ذلك بعض الغواة ، فكتب

--> ( 540 ) هو أبو فارس عبد العزيز بن أبي العباس بن أبي سالم المريني ولي سنة 796 بعد وفاة أبيه أبي سالم ، وتوفي سنة 799 . انظر الاستقصا 2 / 841 وما بعدها . ( 541 ) المخنق : موضع الخنق من العنق .