ابن خلدون
172
رحلة ابن خلدون
ثم إن السّلطان أبا حمّو لم يزل معتملا في الإجلاب على بجاية . واستئلاف قبائل رياح « 530 » لذلك ، ومعوّلا على مشايعتي فيه ، ووصل يده مع ذلك بالسّلطان أبي إسحاق ابن السّلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص ، لما كان بينه وبين أبي العباس « 531 » صاحب بجاية وقسنطينة ، وهو ابن أخيه ، من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك ، وكان يوفد رسله عليه في كل وقت ، ويمرون بي ، وأنا ببسكرة ، فأؤكد الوصلة « 532 » بمخاطبة كل منهما ، وكان أبو زيّان « 533 » ابن عم السّلطان أبي حمّو بعد إجفاله عن بجاية ، واختلال معسكره ، قد سار في أثره إلى تلمسان ، وأجلب على نواحيها ، فلم يظفر بشيء ، وعاد إلى بلاد حصين ، فأقام بينهم ، واشتملوا عليه ، ونجم « 534 » النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط ، واختلف أحياء زغبة على السّلطان ، وانتبذ الكثير عنه إلى القفر . ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم ، فخرج في عساكره في منتصف تسع وستين « 535 » إلى حصين وأبي زيّان ، واعتصموا بجبل تيطري ، « 536 » وبعث إليّ في استنفار الدّواودة للأخذ بحجزتهم « 537 » من جهة الصحراء ، وكتب يستدعي أشياخهم : يعقوب بن علي كبير
--> ( 530 ) هم من أعز قبائل بني هلال ، وأكثرهم جمعا . وقد أطال ابن خلدون القول في قبائل رياح ، وما كان لها من الأحداث في المغرب في العبر 6 / 31 - 40 . ( 531 ) هو أبو العباس بن أبي عبد الله بن أبي بكر . انظر بعض أخباره في العبر 6 / 369 - 370 . ( 532 ) الوصلة ( بالضم ) : الاتصال ، وكل ما اتصل بشيء ، فالذي بينهما وصلة . ( 533 ) أبو زيان ؛ هو محمد بن السّلطان أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن . وانظر أخباره في العبر 7 / 125 - 139 ، وبغية الرواد 2 / 184 ، 185 ، والاستقصا 2 / 138 وما بعدها . ( 534 ) نجم : طلع وظهر . ( 535 ) انظر تفصيل هذه الحوادث في بغية الرواد 2 / 199 سنة 769 . ( 536 ) هو جبل أشير الذي كانت فيه المدينة ( أشير ) ؛ وقد بنى زيرى بن مناد الضنهاجي ، حيث أسس مدينة أشير ، في هذا الجبل حصنا حصينا ، وصفه يحيى بن خلدون في بغية الرواد 2 / 185 بقوله : « معقل تيطرى المشهور الحصانة ، الآخذ من الصحراء والتل ، والمزاحم بمناكبه السحاب » . وانظر العبر 6 / 64 . ( 537 ) الحجزة « بالضم » : معقد الإزار .