ابن خلدون
147
رحلة ابن خلدون
السّلطان أبي حمّو كالنائب عنّي في الوظيفة ، متفاديا عن تجشّم أهوالها ، بما كنت نزعت عن غواية الرّتب . وطال عليّ إغفال العلم ، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك ، وبعثت الهمّة على المطالعة والتّدريس ، فوصل إليه الأخ ، فاستكفى به في ذلك ، ودفعه إليه . ووصلني مع هذه الكتب السّلطانيّة كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوّق إليّ ، وتأدّى إلى تلمسان على يد سفراء السّلطان ابن الأحمر ، فبعث إليّ به من هنالك ونصّه : بنفسي وما نفسي عليّ بهينة * فينزلني عنها المكاس « 361 » بأثمان حبيب نأى عنّي وصمّ لأنّتي * وراش « 362 » سهام البين عمدا فأصماني « 363 » وقد كان همّ الشّيب - لا كان - كافيا * فد أدّني « 364 » لمّا ترحّل همّان شرعت له من دمع عيني مواردا * فكدّر شربي بالفراق وأظماني وأرعيته من حسن عهدي جميمه « 365 » * فأجدب آمالي وأوحش أزماني حلفت على ما عنده لي من رضى * قياسا بما عندي فأحنث أيماني
--> ( 361 ) المكاس : المماكسة ، والمشاحّة في الثمن عند التبايع . ( 362 ) راش السهم : ألصق به الريش . ( 363 ) أصمي الصيد : رماه فقتله في مكانه . ( 364 ) أدّني همّان : دهاني همّان . ( 365 ) الجميم ، والجم : الكثير من كل شيء ، والنبت الذي طال حتى صار مثل جمة الشعر .