ابن بطوطة

94

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ذكر ترتيب رحيله وشنيع فعله في قتل النساء والولدان . وكانت الأرض التي نسلكها غيضة واحدة من الأشجار والقصب بحيث لا يسلكها أحد فأمر السلطان أن يكون مع كل واحد من في الجيش من كبير وصغير قادوم لقطع ذلك ، فإذا نزلت المحلة ركب إلى الغابة والناس معه فقطعوا تلك الأشجار من عدوة النهار إلى الزوال ، ثم يوتي بالطعام فيأكل جميع الناس طائفة بعد أخرى ، ثم يعودون إلى قطع الأشجار إلى العشى وكلّ من وجوده من الكفار في الغيضة أسروه ، وصنعوا خشبة محددة الطرفين فجعلوها على كتفيه يحملها ومعه امرأته وأولاده ويوتي بهم إلى المحلة ! وعادتهم أن يصنعوا على المحلة سورا من خشب يكون له أربعة أبواب ويسمونه الكتكر ، بفتح الكافين وسكون التاء المعلوة وآخره راء ، ويصنعون على دار السلطان كتكرا ثانيا ويصنعون خارج الكتكر الأكبر مصاطب ارتفاعها نحو نصف قامة ويوقدون عليها النار باللّيل ويبيت عندها العبيد والمشاؤون ، ومع كل واحد منهم حزمة من رقيق القصب ، فإذا أتى أحد من الكفار ليضربوا على المحلة ليلا أوقد كل واحد منهم الحزمة التي بيده ، فعاد اللّيل شبه النهار ، لكثرة الضياء وخرجت الفرسان في اتباع الكفار ، فإذا كان عند الصباح ، قسم الكفار الماسورون بالأمس أربعة أقسام وأوتى إلى كلّ باب من أبواب الكتكر بقسم منهم فركزت الخشب التي كانوا يحملونها بالأمس عنده ثم ركزوا فيها حتى تنفذهم ، ثم تذبح نساؤهم ويربطن بشعورهم إلى تلك الخشبات ويذبح الأولاد الصغار في حجورهن ويتركون هنالك وتنزل المحلة ويشتغلون بقطع غيضة أخرى ويصنعون بمن أسروه كذلك ! وذلك أمر شنيع ما علمته لأحد من الملوك وبسببه عجل الله حينه ! ولقد رأيته يوما والقاضي عن يمينه وأنا عن شماله وهو يأكل معنا وقد أوتي بكافر معه امرأته وولده سنّه سبع فأشار إلى السيافين بيده أن يقطعوا رأسه ، ثم قال لهم وزن أو وبّسر أو « 283 » معناه : وابنه وزوجته فقطعت رقابهم ، وصرفت بصري عنهم فلما قمت وجدت رؤوسهم مطروحة بالأرض ! وحضرت عنده يوما وقد أتي برجل من الكفار فتكلم بما لم أفهمه فإذا بجماعة من الزبانية قد استلوا سكاكينهم ، فبادرت القيام ، فقال لي : إلى أين ؟ فقلت : أصلي العصر ، ففهم عني وضحك ، وأمر بقطع يديه ورجليه ، فلما عدت وجدته متشطحا في دمائه !

--> ( 283 ) تهجى هذه العبارات الفارسية بالحروف اللاتينية : VAZAN - iUVA PESAR - iU .