ابن بطوطة

57

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وللسّمك الذي يغتذون به قوة عجيبة في الباءة لا نظير لها ، ولأهل هذه الجزائر عجب في ذلك ، ولقد كان لي بها أربع نسوة وجوار سواهن فكنت أطوف على جميعهن كلّ يوم ، وأبيت عند من تكون ليلتها ، وأقمت بها سنة ونصف أخرى على ذلك ! « 171 » . ومن أشجارها الجمّون « 172 » والأترج والليمون والقلقاص « 173 » ، وهم يصنعون من أصوله دقيقا يعملون منه شبه الإطرية ، ويطبخونها بحليب النارجيل وهي من أطيب الطعام كنت أستحسنها كثيرا وآكلها . ذكر أهل هذه الجزائر ، وبعض عوائدهم وذكر مساكنهم وأهل هذه الجزائر أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة ، أكلهم حلال ودعاءهم مجاب ، وإذا رأى الانسان أحدهم قال له : الله ربي ، ومحمد نبيّ وأنا أمي مسكين ، وأبدانهم ضعيفة ولا عهد لهم بالقتال والمحاربة وسلاحهم الدعاء ، ولقد أمرت مرة بقطع يد سارق بها فغشى على جماعة منهم كانوا بالمجلس ، ولا تطرقهم لصوص الهند ولا تذعرهم لأنهم جربوا أنّ من أخذ لهم شيئا أصابته مصيبة عاجلة ، وإذا أتت أجفان العدو إلى ناحيتهم أخذوا من وجدوا ، من غيرهم ، ولم يعرضوا لأحد منهم بسوء ، وإن أخذ أحد الكفار ولو ليمونة عاقبة أمير الكفار وضربه الضرب المبرح خوفا من عاقبة ذلك ولولا هذا لكانوا أهون الناس على قاصدهم بالقتال لضعف بنيتهم . وفي كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة وأكثر عمارتهم بالخشب وهم أهل نظافة وتنزه عن الأقذار وأكثرهم يغتسلون مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق ، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية ويتلطّخون بالغالية المجلوبة من مقدشو . ومن عادتهم أنهم إذا صلوا الصبح أتت كل امرأة إلى زوجها أو ابنها بالمكحلة وبماء الورد ودهن الغالية « 174 » فيكحّل عينيه ويدهن بماء الورد ودهن الغالية ، فتصقل بشرته وتزيل الشحوب عن وجهه . ولباسهم فوط يشدون الفوطة منها على أوساطهم عوض السراويل ، ويجعلون على

--> ( 171 ) كلام ابن بطوطة واضح في أنه قضى في مالديف سنة ونصف السنة وقد ناقشه حول هذا المقام بعض الذين علقوا على الرحلة ( انظر المقدمة ) . ( 172 ) ( EUGENIA JAMBOL ANA ) انظر II 191 III 128 ( 173 ) يسمى ( Hittala - Fu ) في جزر مالديف ، وتعني كلمة ( FU ) الدقيق ، انظر تعليق 110 . ( 174 ) الغالية : عطر مركب من المسك ومن العنبر . . . وهذه المادة كثيرة في الجزر .