ابن بطوطة

51

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وأقمت بكولم مدة بزاوية الشيخ فخر الدين ابن الشيخ شهاب الدين الكازروني شيخ زاوية قالقوط ، فلم أتعرف للككم خبرا ، وفي أثناء مقامي بها دخل إليها أرسال ملك الصين الذين كانوا معنا ، وكانوا ركبوا في أحد تلك الجنوك فانكسر أيضا فكساهم تجار الصين وعادوا إلى بلادهم ولقيتهم بها بعد . وأرادت أن أعود من كولم إلى السلطان لأعلمه بما اتفق على الهدية « 138 » ثم خفت أن يتعقب فعلي ، ويقول : لم فارقت الهدية ؟ فعزمت على العودة إلى السلطان جمال الدين الهنّوري وأقيم عنده حتى أتعرف خبر الككم ، فعدت إلى قالقوط ووجدت بها بعض مراكب السلطان ، فبعث فيها أميرا من العرب يعرف بالسيد أبي الحسن وهو من البرد دارية « 139 » ، وهم خواص البوابين ، بعثه السلطان بأموال يستجلب بها من قدر عليه من العرب من أرض هرمز والقطيف « 140 » لمحبته في العرب ، فتوجهت إلى هذا الأمير ورأيته عازما على أن يشتو بقالقوط ، وحينئذ يسافر إلى بلاد العرب فشاورته في العودة إلى السلطان ، فلم يوافق على ذلك ! فسافرت في البحر من قالقوط ، وذلك آخر فصل السفر فيه فكنا نسير نصف النهار الأول ثم نرسوا إلى الغد ، ولقّينا في طريقنا أربعة أجفان مخزونة فخفنا منها ثم لم يعرضوا لنا بشرّ ! ووصلنا إلى مدينة هنّور « 141 » فنزلت إلى السلطان وسلمت عليه فأنزلني بدار ، ولم يكن لي خديم وطلب مني أن أصلّي معه الصلوات ، فكان أكثر جلوسي في مسجده ، وكنت أختم القرآن كلّ يوم ، ثم كنت أختم مرتين في اليوم ، ابتدي القراءة بعد صلاة الصبح فاختم عند الزوال وأجدد الوضوء وأبتدىء القراءة فأختم الختمة الثانية عند الغروب ، ولم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر واعتكفت منها أربعين « 142 » يوما .

--> ( 138 ) هذا من المواقف الغير المعتادة في حياة وسلوك ابن بطوطة ، فقد عوّدنا على عدم التردد في اتخاذ القرار ، وعلى الأخذ بالأحوط في الموضوع ، وهكذا فقد كان عليه أن يبلغ الحقيقة في الوقت المناسب للسلطان الذي وضع فيه ثقته ، وليكن ما يكون ! ! ( 139 ) البرد دراية أصل العبارة ( PARDE - DAR ) الحاجب السلطاني III 280 . ( 140 ) يلاحظ أن ابن بطوطة لم يضبط القطيف على نحو ما عند ياقوت في معجم البلدان بفتح القاف وقد مرّ بنا أنه ضبطها ( II , 742 ) بضم القاف . . . ( 141 ) كان على ابن بطوطة أن يصل - في اتجاه الشمال - إلى هونفر ( Honavar ) حوالي أواسط شهر أبريل 1342 - ذي القعدة 742 حتى يبلغ مجموع أيام مقامه لدى هذا السلطان أحد عشر شهرا على ما يذكره جمال الدّين محمد بن حسن - انظر التعليق ( 86 ) . ( 142 ) ملازمة المسجد والاعتكاف في مثل هذه الظروف يترجم عن الوضع الدقيق الذي وجد ابن بطوطة نفسه فيه بعد مصرع رفاقه في السفارة وبعد تفريطه في الهدايا الملكية ، وبعد أن نصحه الحاجب أن لا يعود لدهلي ! ، وهكذا أخذنا نسمع عن انقطاعه بل وعن التغير الشامل لمسلكه في الحياة . . . بعد أن لفّته الحيرة ولم يعد يدري ما ذا سيكون غده ؟ !