ابن بطوطة

52

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ذكر توجهنا إلى الغزو وفتح سندابور وكان السلطان جمال الدين قد جهز اثنين وخمسين مركبا سفرية برسم غزو سندابور ، وكان وقع بين سلطانها وولده خلاف ، فكتب ولده إلى السلطان جمال الدين أن يتوجه لفتح سندابور ويسلم الولد المذكور ، ويزوجه السلطان أخته « 143 » ، فلمّا تجهزت المراكب ظهر لي أن أتوجه فيها إلى الجهاد ففتحت المصحف أنظر فيه فكان في أول الصفحة : يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ، فاستبشرت بذلك ، وأتى السلطان إلى صلاة العصر ، فقلت له : أريد السفر فقال : إذا تكون أميرهم ، فأخبرته بما خرج لي في أول المصحف فأعجبه ذلك ، وعزم على السفر بنفسه ولم يكن ظهر له ذلك قبل ، فركب مركبا منها وأنا معه ، وذلك في يوم السبت فوصلنا عشيّ الاثنين إلى سندابور ، ودخلنا خورها فوجدنا أهلها مستعدّين للحرب وقد نصبوا المجانيق ، فبتنا عليها تلك الليلة . فلما أصبح ضربت الطبول والانفار والأبواق وزحفت المراكب ، ورموا عليها بالمجانيق ، فلقد رأيت حجرا أصاب بعض الواقفين بمقربة من السلطان ، ورمى أهل المراكب أنفسهم في الماء وبأيديهم الترسة والسيوف ، ونزل السلطان إلى العكيرى ، وهو شبه الشلّير « 144 » ، ورميت بنفسي في الماء في جملة الناس ، وكان عندنا طريدتان مفتوحتي المواخر ، فيها الخيل ، وهي بحيث يركب الفارس فرسه في جوفها ويتدرّع ويخرج ففعلوا ذلك ، وأذن الله في فتحها وأنزل النصر على المسلمين ، فدخلنا بالسيف ودخل معظم الكفار في قصر سلطانهم ، فرمينا النار فيه فخرجوا وقبضنا عليهم ، ثم إن السلطان أمّنهم ورد لهم نساءهم وأولادهم وكانوا نحو عشرة آلاف وأسكنهم بربض المدينة وسكن السلطان القصر وأعطى الديار بمقربة منه لأهل دولته ، وأعطاني جارية منهن تسمى لمكي فسميتها مباركة « 145 » ، وأراد زوجها فداءها فأبيت ! وكساني فرجية مصرية وجدت في خزائن الكافر ، وأقمت عنده بسندابور من يوم فتحها وهو الثالث عشر لجمادى الأولى إلى منتصف شعبان « 146 » ، وطلبت منه الإذن في السفر ، فأخذ عليّ العهد في العودة إليه !

--> ( 143 ) حول سندابور حيث توجد جزيرة ( گوا ) راجع التعليق السابق رقم 79 . . . يظهر أن خلافا شبّ بين حاكم الجزيرة وبين ولده أدّى إلى استنجاد هذا الأخير بالسلطان جمال الدين ضدّ والده ، تلقاء أن يسلم الأمير الولد ، وأن يتزوج بنت السلطان المسلم - الآية : ( ولينصرن الله من ينصره ) السورة 22 / الآية 40 . ( 144 ) يذكر دوزي في معجمه أن العكيرى نوع من السفن الشراعية الكبرى ، ويذكر الشلّير على أنه نوع من الفلك . . . ( 145 ) سمّاها كذلك طلبا للفأل الحسن سيما ونحن نعرف عن وضعه الحرج بعد كل الذي تعرض له من محن وفتن . . . ( 146 ) يعني منذ 15 أكتوبر 1342 إلى منتصف يناير 1343 .