ابن بطوطة
48
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
يستطيع من فيه النزول إلينا ، ولم يكن بقي معي إلا بساط أفترشه ، وأصبح الجنك والككم يوم السبت على بعد من المرسى ، ورمى البحر بالجنك الذي كان أهله يريدون فندرينا فتكسر ، ومات بعض أهله وسلم بعضهم . وكانت فيه جارية لبعض التجار عزيزة عليه فرغب في إعطاء عشرة دنانير ذهبا لمن يخرجها وكانت قد التزمت خشبة في مؤخر الجنك فانتدب لذلك بعض البحرية الهرمزيين فأخرجها ، وأبى أن يأخذ الدنانير ، وقال : إنما فعلت ذلك لله تعالى ، ولما كان الليل رمى البحر بالجنك الذي كانت فيه الهدية فمات جميع من فيه ! ونظرنا عند الصباح إلى مصارعهم ، ورأيت ظهير الدين قد انشق رأسه وتناثر دماغه ، والملك سنبل قد ضربه مسمار في أحد صدغيه ونفذ من الآخر ، وصلينا عليهما ودفنّاهما ! ! ! ورأيت « 127 » الكافر سلطان قالقوط ، وفي وسطه شقة بيضاء كبيرة قد لفّها من سرّته إلى ركبته ، وفي رأسه عمامة صغيرة وهو حافي القدمين ، والشطر بيد غلام فوق رأسه ، والنار توقد بين يديه في الساحل ، وزبانيته يضربون الناس لئلا ينتهبوا ما يرمي البحر . وعادة بلاد المليبار أن كل ما انكسر من مركب يرجع ما يخرج منه للمخزن إلا في هذا البلد خاصة فان ذلك يأخذه أربابه ولذلك عمرت وكثر تردد الناس إليها « 128 » . ولما رأى أهل الككم ما حدث على الجنك رفعوا قلعهم وذهبوا ومعهم جميع متاعي وغلماني وجواري ، وبقيت منفردا على الساحل ليس معي إلا فتى كنت أعتقته ، فلما رأى ما حلّ بي ذهب عني ! ولم يبق عندي إلا العشرة الدنانير التي أعطانيها الجوكي ، والبساط الذي كنت أفترشه ، وأخبرني الناس أن ذلك الككم لا بد له أن يدخل مرسى كولم فعزمت على السفر إليها وبينهما مسيرة عشر في البر أو في النهر أيضا لمن أراد ذلك ، فسافرت في النهر واكتريت رجلا من المسلمين يحمل لي البساط . وعادتهم إذا سافروا في ذلك النهر أن ينزلوا بالعشى فيبيتوا بالقرى التي على حافتيه ، ثم يعودوا إلى المركب بالغدو فكنا نفعل ذلك ، ولم يكن بالمركب مسلم الا الذي اكتريته ، وكان يشرب الخمر عند الكفار إذا نزلنا ويعربد عليّ فيزيد تغيّر خاطري ! ووصلنا
--> ( 127 ) ينبغي أن نقف قليلا مع هذه المحنة التي اعترضت طريق ابن بطوطة وهو في بداية مهمته الدبلوماسية حيث نراه يشاهد زميله ورفيقه في المهمة : ظهير الدين وقد انشقّ رأسه وتناثر دماغه والملك سنبل يضربه مسمار يدخل من أحد صدغيه ليخرج من الجهة الأخرى ، إنه طالع نحس لا يبشر بالخير . . . ! ! ( 128 ) يشير ابن بطوطة هنا إلى قاعدة أو مبدأ فقهي دوّلي نص عليه فقهاؤنا في مصنفاتهم ، ويتعلق الأمر بحماية تركة الأجنبي المتوفى . والطريف في استنتاج ابن بطوطة أنه يرى في هذا التشريع ما يشجع الناس على قصد تلك البلاد للاستثمار فيها ! التازي ، التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج 5 ص 235 تعليق 3 .