ابن بطوطة

265

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

حكاية [ الحسنة بعشر أمثالها ] وأخبرني الفقيه مدرك هذا أن رجلا من أهل تلمسان يعرف بابن شيخ اللبن كان قد أحسن إلى السلطان منسى موسى في صغره بسبعة مثاقيل وثلث ، وهو يومئذ صبي غير معتبر ، ثم اتفق أن جاء اليه في خصومة وهو سلطان ، فعرفه ودعاه وأدناه منه حتى جلس معه على البنبي ثم قرّره على فعله معه ، وقال للأمراء : ما جزاء من فعل فعله من الخير ؟ فقالوا له : الحسنة بعشر أمثالها « 94 » ، فأعطه سبعين مثقالا فأعطاه عند ذلك سبع مائة مثقال وكسوة ومبيدا وخدما وأمره أن لا ينقطع عنه ، وأخبرني بهذه الحكاية أيضا ولد ابن شيخ اللّبن المذكور وهو من الطلبة يعلم القرآن بمالي . ذكر ما استحسنته من أفعال السودان وما استقبحته منها . فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم ، فهم أبعد الناس عنه وسلطانهم لا يسامح أحدا في شيء منه ، ومنها شمول الأمن في بلادهم فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب ، ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان ولو كان القناطير المقنطرة ، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه « 95 » ، ومنها مواظبتهم للصّلوات والتزامهم لها في الجماعات ، وضربهم أولادهم عليها ، وإذا كان يوم الجمعة ولم يبكّر الإنسان إلى المسجد لم يجد أين يصلي لكثرة الزحام . ومن عادتهم أن يبعث كلّ إنسان غلامه بسجادته فيبسطها له بموضع يستحقه بها حتى يذهب إلى المسجد ، وسجادتهم من سعف شجر يشبه النخل ولا ثمر له ، ومنها لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة ولو لم يكن لأحدهم إلا قميص خلق غسله ونظفه وشهد به الجمعة ، ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه ، فلا تفك عنهم حتى يحفظوه ! ولقد دخلت على القاضي يوم العيد وأولاده مقيّدون ، فقلت له : ألا تسرحهم ؟ فقال : لا أفعل حتى يحفظوا القرآن ! ومررت يوما بشاب منهم حسن الصورة عليه ثياب فاخرة وفي رجله قيد ثقيل ، فقلت لمن كان معي : ما فعل هذا ؟ أقتل ؟ ففهم عني الشاب وضحك وقيل لي : إنما قيد حتى يحفظ القرآن ! ومن مساوىء أفعالهم كون الخدم والجواري والبنات الصّغار يظهرن للناس عرايا باديات العورات ، ولقد كنت أرى في رمضان كثيرا منهن على تلك

--> ( 94 ) القرآن الكريم ، السورة 6 ، الآية 160 . ( 95 ) هذه هي أحكام الإسلام في التعامل الدّولي . يراجع مختصر خليل عند قوله في الجهاد : وإن مات عندنا . . .