ابن بطوطة

266

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الصورة ، فإن عادة الفرارية أن يفطروا بدار السلطان ، ويأتي كل واحد منهم بطعامه تحمله العشرون فما فوقهنّ من جواريه ، وهن عرايا ! ومنها دخول النساء على السلطان عرايا غير مستترات ، وتعرّي بناته . ولقد رأيت في ليلة سبع وعشرين من رمضان نحو مائة جارية خرجن بالطعام من قصره عرايا ، ومعهن بنتان له ناهدان ليس عليهما ستر ! ومنها جعلهم التّراب والرماد على رؤوسهم تأدبا ، ومنها ما ذكرته من الأضحوكة في إنشاد الشعراء ، ومنها أن كثيرا منهم يأكلون الجيف والكلاب والحمير . ذكر سفري عن مالّي وكان دخولي إليها في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخروجي عنها في الثاني والعشرين لمحرم سنة أربع وخمسين « 96 » ، ورافقني تاجر يعرف بأبي بكر بن يعقوب ، وقصدنا طريق ميمة « 97 » ، وكان لي جمل أركبه لان الخيل غالية الأثمان ، يساوي أحدها مائة مثقال ، فوصلنا إلى خليج كبير يخرج من النّيل لا يجاز إلا في المراكب وذلك الموضع كثير البعوض فلا يمر أحد به إلا باللّيل ووصلنا الخليج ثلث الليل والليل مقمر . ذكر الخيل التي تكون بالنّيل ولما وصلنا الخليج رأيت على ضفته ست عشرة دابّة ضخمة الخلقة ، فعجبت منها وظننتها فيلة لكثرتها هنالك ، ثم إني رأيتها دخلت في النهر ، فقلت لأبي بكر بن يعقوب : ما هذه الدواب ؟ فقال : هي خيل البحر ، خرجت ترعى في البر وهي أغلظ من الخيل ، ولها أعراف وأذناب ورؤوسها كرؤوس الخيل ، وأرجلها كأرجل الفيلة . ورأيت هذه الخيل مرة أخرى لما ركبنا النّيل من تنبكتو إلى كوكو ، وهي تعوم في الماء وترفع رؤوسها وتنفخ ، وخاف منها أهل المركب ، فقربوا من البر لئلا تغرقهم ، ولهم حيلة في صيدها حسنة ، وذلك أن لهم رماحا مثقوبة قد جعل في ثقبها شرائط وثيقة ، فيضربون الفرس منها فإن صادفت الضربة رجله أو عنقه أنفذته وجذبوه بالحبل حتى يصل إلى الساحل فيقتلونه ويأكلون لحمه ومن عظامها بالساحل كثير . وكان نزولنا عند هذا الخليج بقرية كبيرة عليها حاكم من السودان حاج فاضل يسمى فربا « 98 » مغا بفتح الميم والغين المعجم ، وهو ممن حج مع السلطان منسى موسى لما حج .

--> ( 96 ) يعني من 29 يونيه 1352 إلى 28 يبراير 1353 . ( 97 ) ميمه Mema اسم يعطيه السّونيك لموقع خرب قريب من نامبّالا Nampala شمال منطقة ماسينا ( Macina ) هذا والقصد بفرس النهر أو جاموس البحر إلى Hippopotame ( 98 ) حول لقب ( فربا ) انظر التعليق السابق رقم 26 وحول موسى وحجّه ، انظر التعليق 91 .