ابن بطوطة
263
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
من البيضان ، فقال لي : أتعرف ما قالوه ؟ فقلت : لا أعرف . فقال : إن الفقيه أخبر أن الجراد وقع ببلادهم ، فخرج أحد صلحائهم إلى موضع الجراد فهاله أمرها ، فقال : هذا جراد كثير ، فأجابته جرادة منها ، وقالت : إن البلاد التي يكثر فيها الظلم يبعثنا الله لفساد زرعها ! ! فصدقه القاضي والسلطان ، وقال عند ذلك للأمراء : إني برئ من الظلم ، ومن ظلم منكم عاقبته ، ومن علم بظالم ولم يعلمني به فذنوب ذلك الظالم في عنقه ، والله حسيبه وسائله . ولما قال هذا الكلام وضع الفرارية عمائمهم عن رؤوسهم وتبرّءوا من الظلم حكاية [ عن عدل السلطان ] وحضرت الجمعة يوما فقام أحد التجار من طلبة مسوفة ويسمى بأبي حفص فقال : يا أهل المسجد ، أشهدكم أن منسى سليمان في دعوتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فلما قال ذلك خرج إليه جماعة رجال من مقصورة السلطان ، فقالوا له : من ظلمك ؟ من أخذ لك شيئا ؟ فقال : منشاجو إيوالّاتن « 88 » ! يعني مشرفها ، أخذ مني ما قيمته ستمائة مثقال ، وأراد أن يعطيني في مقابلته مائة مثقال خاصة ، فبعث السلطان عنه للحين فحضر بعد أيام وصرفهما للقاضي فثبت للتاجر حقه فأخذه وبعد ذلك عزل المشرف عن عمله . حكاية [ زوجة السلطان وبنات عمه ] واتّفق في أيام إقامتي بمالي أن السلطان غضب على زوجته الكبرى بنت عمه المدعوة بقاسا ، ومعنى قاسا عندهم الملكة ، وهي شريكته في الملك على عادة السودان ، ويذكر اسمها مع اسمه على المنبر « 89 » وسجنها عند بعض الفرارية وولى مكانها زوجته الأخرى بنجو ، ولم تكن من بنات الملوك ، فأكثر الناس الكلام في ذلك وأنكروا فعله ، ودخل بنات عمه على بنجو يهنئنها بالمملكة ، فجعلن الرّماد على أذرعهن ولم يترّبن رؤوسهن ! ثم إن السلطان سرح ثقافها فدخل عليها بنات عمه يهنئنها بالسراح ، وترّبن على العادة ، فشكت بنجو إلى السلطان بذلك فغضب على بنات عمه فخفن منه واستجرن بالجامع فعفا عنهن واستدعاهن ! وعادتهن إذا دخلن على السلطان أن يتجردن عن ثيابهن ويدخلن عرايا ففعلن ذلك ! ورضي عنهن ، وصرن يأتين باب السلطان غدوا وعشيا مدة سبعة أيام ، كذلك يفعل كلّ من عفا عنه السلطان .
--> ( 88 ) يراجع iv - 386 راجع التعليق رقم 28 . ( 89 ) يعني في خطبة يوم الجمعة ، وقاسا بلغة المالينك تعني الزوجة المحظية عند الحاكم .