ابن بطوطة
248
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
رجع ، وفي أشجار هذه الغابة التي بين إيوالّاتن ومالي ما يشبه ثمرة الإجّاص والتفاح والخوخ والمشمش وليست بها ، وفيها أشجار تثمر شبه الفقوص ، فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق ، فيطبخونه ويأكلونه ويباع بالأسواق ، ويستخرجون من هذه الأرض حبات كالفول فيقلونها ويأكلونها ، وطعمها كطعم الحمص المقلوّ « 34 » ، وربما طحنوها وصنعوا منها شبه الاسفنج وقلوه بالغرتي « 35 » . والغرتي : بفتح الغين المعجم وسكون الراء وكسر التاء المثناة ، وهو ثمر كالاجاص شديد الحلاوة مضر بالبيضان إذا أكلوه ، ويدق عظمه فيستخرج منه زيت لهم فيه منافع ، فمنها أنهم يطبخون به ويسرجون السّرج ويقلون به هذا الاسفنج ويدهنون به ويخلطونه بتراب عندهم ويسطّحون به الدور كما تسطح بالجير ، وهو عندهم كثير متيسر ، ويحمل من بلد إلى بلد في قرع كبار تسع القرعة منها قدر ما تسعه القلّة ببلادنا . والقرع ببلاد السودان يعظم ، ومنه يصنعون الجفان ، يقطعون القرعة نصفين فيصنعون منها جفنتين وينقشونها نقشا حسنا ، وإذا سافر أحدهم يتبعه عبيده وجواريه ، يحملون فرشه وأوانيه التي يأكل ويشرب فيها ، وهي من القرع . والمسافر بهذه البلاد لا يحمل زادا ولا إداما ولا دينارا ولا درهما ، إنما يحمل قطع الملح وحليّ الزجاج الذي يسمّيه الناس النظم « 36 » ، وبعض السلع العطرية ، وأكثر ما يعجبهم منها القرنفل والمصطكي وتاسرغنت « 37 » وهو بخورهم ، فإذا وصل قرية جاء نساء السودان
--> ( 34 ) يتعلق الأمر بما يسمّى فواندزو ( Voandzou ) عوّض اليوم بالفول السوداني : كاوكاو النبات الوارد من البرازيل . . . Cuoq P . 297 Stephane III P . 406 ( 35 ) الغرتي هو بالذات القاريتي عند العمري معروف بإفريقيا الغربية " وشجر اسمه قاريتي يحمل شبيه الليمون . . . وطعمه يشبه طعم الكمثرى بداخله نوى ملحم ، يؤخذ منه ذلك النوى وهو طري ويطحن فيخرج منه شبيه بالسمن ، ويجمد ، تبيّض به البيوت وتوقد منه السرج والقناديل ويعمل منه صابون ، وإذا أريد أن يوكل ذلك الدّهن يحرق بتدبير . . . ويستعمل في الماكل كالسمن . . . العمري : مسالك الأبصار في ممالك الأنصار ( ت 749 ) السفر الثالث إصدار فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم العربية - والإسلامية جامعة فرانكفورت - ألمانيا 1408 - 1988 ص 36 - 37 . ( 36 ) النظم من نظم العقيق أو اللؤلؤ . . . أي جعله في نحو خيط مرتبا ليصلح كعقد . ( 37 ) تاسرغنت صيغة تأنيت ، كلمة بربرية ، والاسم المعرّب سرغينة ( Corrigiola telephiifolia ) ، وهي كما يقول الحسن ابن الوزّان : « جذر عطري يوجد على ساحل المحيط إلى جهة الغرب ويجلبه تجار موريطانيا إلى بلاد السودان حيث يستعمل عطرا رفيعا ، ولا حاجة إلى حرقه أو تسخينه ، لأنه إذا حفظ في حجرة نشر فيها نفس الرائحة على أية حال . . . »