ابن بطوطة

29

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

والوزير والحاجب ، وصاحب العلامة « 54 » وهم يسمونه آل طمغى ، وآل بفتح الهمزة : معناه الأحمر ، وطمغى بفتح الطاء المهمل وسكون الميم والغين المعجم المفتوح ، ومعناه العلامة . وقام إليّ أربعتهم حين دخولي ، ودخلوا معي فسلمت عليه وسألني ، وصاحب - يترجم بيني وبينه ، وعن مكة والمدينة والقدس شرفها الله وعن مدينة الخليل عليه السلام وعن دمشق ومصر والملك الناصر عن العراقين وملكهما وبلاد الأعاجم ، ثم أذّن المؤذن بالظهر فانصرفنا وكنا نحضر معه الصلوات ، وذلك أيام البرد الشديد المهلك ، فكان لا يترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ويقعد للذكر بالتركية بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ، ويأتي إليه كلّ من في المسجد فيصافحه ويشد بيده على يده ، وكذلك يفعلون في صلاة العصر ، وكان إذا أوتي بهدية من زبيب أو تمر ، والتمر عزيز عندهم وهم يتبرّكون به ، يعطي منها بيده لكلّ من في المسجد . حكاية [ فضائل السلطان طرمشيرين ] ومن فضائل هذا الملك أنه حضرت صلاة العصر يوما ولم يحضر السلطان فجاء أحد فتيانه بسجادة ووضعها قبالة المحراب حيث جرت عادته أن يصلي ، وقال للإمام حسام الدين الياغي : إن مولانا يريد أن تنتظره بالصلاة قليلا ريثما يتوضأ فقام الامام المذكور ، وقال : نماز ، ومعناه الصلاة ، برأي خذا أو برأي طرمشيرين ؟ أي الصّلاة لله أو لطرمشيرين ؟ ثم أمر المؤذن بإقامة الصلاة وجاء السلطان وقد صلّي منها ركعتان ، فصلى الركعتين الآخرتين حيث انتهى به القيام ، وذلك في الموضع الذي تكون به أنعلة الناس عند باب المسجد ، وقضى ما فاته وقام إلى الإمام ليصافحه وهو يضحك وجلس قبالة المحراب والشيخ الإمام إلى جانبه وأنا إلى جانب الإمام فقال لي : إذا مشيت إلى بلادك فحدّث أنّ فقيرا من فقراء الأعاجم يفعل هكذا مع سلطان الترك ! ! وكان هذا الشيخ يعظ الناس في كلّ جمعة ويأمر السلطان بالمعروف وينهاه عن المنكر وعن الظلم ويغلّظ عليه القول والسلطان ينصت لكلامه ويبكي ، وكان لا يقبل من عطاء السّلطان شيئا ولم يأكل قط من طعامه ولا لبس من ثيابه .

--> ( 54 ) ( صاحبة العلامة ) هذا تعبير استعمل في الحديث عن المراسيم الملكية والمعاهدات الدولية في الغرب الإسلامي ، وكان هذا وظيفا ساميا في الحكومة يعني الذي يتولى كتابة العلامة أو التوقيع للملك ، وهو بمثابة حارس الأختام وقد سجل التاريخ عددا من الأسماء البارزة التي تولت هذه الوظيفة في الدولة - يراجع التاريخ الدبلوماسي للمغرب تأليف د . التازي المجلد الأول صفحة 300 وما بعدها . . .